لأن الذاكرة البشرية هشة وقابلة للنسيان، ولأن الحياة تمر سريعاً جداً، فلا يبقى الفرح إلا لحظات، ولا يبقى اللقاء إلا هنيهات، يتكئ الإنسان على الصورة، باعتبارها العكاز الذي تتعكز عليه ذاكرته لتستعيد كل تلك اللحظات الجميلة والذكريات السعيدة.
الصورة ليست مجرد تجميد للحظة، ولا ترفاً يسعى المرفهون للحصول عليه ممن يملكون وقتاً «لإضاعته» في التقاط صورة هنا وأخرى هناك، بل هي تخليد لذكرى صنعتها لحظة سعادة، أو لحظة إنجاز أو لقاء لن يتكرر، هي الحارس الذي يؤتمن على الابتسامات كلها، نسترجعها ما إن نشاهد الصور ولو بعد حين.
هي بمكانة بيانات عاطفية وخرائط شعورية، توثق تلك اللحظات التي شعرنا فيها بالحب والانكسار والفرح والدهشة.
هي وسيلة لاستعادة المرء نفسه حين يشعر بالضياع، فما إن يتجول في ألبوم صوره، حتى يتذكر كل ما كان، ويعرف هويته التي غابت عنه فيستعيد رباطة جأشه ويمضي قدماً.
والصورة ليست مجرد أرشيف شخصي، أو مستودع للذاكرة الفردية، بل هي دليل كامل على حياة أمم وشعوب، فمن خلالها يمكن للباحث أن يتعرف إلى عادات حقبة ما، من حيث نوعية الملبس والمأكل والتصميم العمراني والثقافة العامة، يمكن لتلك الصور التي التقطت في لحظات عفوية، أن تكون دليلاً شاملاً يبنى عليه، يؤرخ المطبخ لهذا الشعب وطرائق المعيشة والأولويات والتطور في كل جوانب الحياة، ولو كانت صوراً مشوشة غير واضحة كالصور التي نراها لدى أجدادنا بالأبيض والأسود، وهي وسيلة، ليعود المرء لجذوره شامخاً، حين يرى بعينيه كفاح أسلافه وطريقة حياتهم، يرى أجداده الذين لم يلتق بهم في الحياة، بسبب رحيلهم المبكر قبل وجوده فيها، فتكون مرساة تثبت الجيل الجديد، ليعرف هويته الحقيقية.
نحن بحاجة إلى الصور، بحاجة لتلك الصور التي تجمعنا بكل من نحب، وبحاجة إلى مشاهدة صور من غادروا، كي لا تضيع ملامحهم في زحمة الذاكرة، فلا تلوموا من يكثر التصوير، لأنه سيكون أرشيفاً لكل من غابوا في يوم ما.
