لم تعُد قضية الهجرة غير النظامية مجرّد مانشيتات عابرة، تطالعنا بها وكالات الأنباء الدولية في نشراتها اليومية، بل تحولت في واقع الأمر إلى جرح، نازف وعميق، في جسد الإنسانية بأسرها، ومرآة كاشفة لضمير عالمي يبدو أنه بات يعيش مرحلة خطرة من التبلّد واللامبالاة تجاه عذابات البشر.
خلف كل قارب متهالك ومكتظ يمخر عباب البحار والمحيطات المظلمة، ثمة أرواح بريئة، وأُسر كاملة فرت من رمضاء الحروب الأهلية المشتعلة، أو من وطأة فقر مدقع وقاسٍ يطحن عظام بسطاء لم يطلبوا من هذه الدنيا سوى العيش في سلام وأمان.
غير أن المأساة الحقيقية لا تكمن في ركوب أهوال البحر ومخاطره الجسيمة فقط، بل في تلك البيئات، السياسية والقانونية، الجافة التي تقابل هؤلاء المكلومين، وجدران عازلة تفتقر إلى التعاطف الإنساني الفطري.
في هذا السياق المأساوي، جاءت الصرخة المدوية التي أطلقها البابا ليو الرابع عشر خلال زيارته الاستثنائية لجزر الكناري الإسبانية، لتضع النقاط على الحروف من دون مواربة، حينما حذّر، بقوة، من أن «التاريخ سيدين، عاجلاً أم آجلاً، من يتجاهلون وفيات المهاجرين ومعاناتهم المريرة». هذه الكلمات الحازمة لا تمثل مجرّد موقف روحي أو ديني عابر، بل هي بمثابة بيان سياسي وإنساني بامتياز، يضع المجتمع الدولي بأسره أمام مسؤولياته الأخلاقية والوجودية المقصّر فيها، بشكل فاضح، حيث إن الكرامة البشرية، كما حددها البابا بدقة متناهية، لا يمكن أن تحمل جنسية معيّنة، ولا تسقط قيمتها المطلقة، أو تتجزأ بمجرّد عبور حدود رسمتها السياسة والمصالح، فاعتياد رؤية الجثث تتقاذفها الأمواج على الشواطئ، وتحويل مأساة الفارّين بأرواحهم وأطفالهم إلى مشهد يومي مألوف، هو المؤشر الأخطر على سقوط النظام الدولي المعاصر في اختبار القيم والمبادئ.
ما يعرف بـ«رصيف العار» في ميناء أرجينيجين، الذي شهد وعاين معاناة آلاف المهاجرين في ظروف معيشية وصحية غير آدمية بالمرة، ليس مجرّد بقعة جغرافية معزولة، بل هو رمز حي لسياسة الإقصاء والتهميش الممنهج التي تنتهجها الدول المتقدمة تجاه المستضعفين في الأرض.
فالمهاجرون ليسوا أرقاماً في إحصائية، بل هم بشر يمتلكون تطلعات مشروعة تماماً في الأمان والاستقرار، وليس من حق أيّ قوة سياسية أو قيادة عالمية في هذا الكون أن تحتقر أحلامهم البسيطة، أو تسحقها تحت وطأة الحسابات الانتخابية والمصالح العابرة.
علاج هذه الكارثة المتفاقمة لا يمكن أن يتحقق أبداً عبر عسكرة الشواطئ، وتشديد الحراسة، وزيادة القيود الحدودية، بل يتطلب شجاعة دولية حقيقية لفتح «مسارات قانونية وآمنة» تحمي الأرواح، وتضرب بيد من حديد على شبكات ومافيات الاتجار بالبشر.
والأهم من ذلك كله، هو ضرورة البدء الفوري بمعالجة الجذور الحقيقية للأزمة، بدلاً من الاكتفاء بالتعامل السطحي مع قشورها، من خلال تجفيف منابع الفقر المدقع، ووقف الحروب العبثية، والفساد المستشري الذي يدفع الناس للمخاطرة بأرواحهم في غياهب المجهول.
