الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

لماذا ندعي المعرفة؟

22 يونيو 2026 00:07 صباحًا | آخر تحديث: 22 يونيو 00:07 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
أتذكر أنني في طفولتي كنت أستمع إلى بعض الكبار وكأنهم لا يخطئون، لم تكن معرفتهم هي ما يقنعني، بل ثقتهم وهم يتحدثون. كانوا بالنسبة لي مصدر المعرفة الأول، وكانت نبراتهم الواثقة تجعل من كلماتهم حقائق لا تقبل النقاش.
مع النضج والتجربة، اكتشفت أن كثيراً مما قُدّم لنا كان خليطاً من الصح والخطأ والثقة الزائدة. يميل الإنسان إلى المبالغة في ما يظن أنه يعرف، وإذا غابت المعرفة سارع إلى ملء الفراغ باليقين. والغريب أن السنوات تغيّر قناعاتنا، لكنها لا تغيّر ثقة أصحاب تلك الإجابات.
لماذا تتغير معرفتنا، وتظل ثقتنا ثابتة؟
نخشى أن نقول «لا أعرف» لأننا ربطنا بين الجهل وفقدان المكانة. فصار أي جواب، حتى الخاطئ، أهون من الاعتراف بالفراغ.
المعرفة شيء، واليقين شيء آخر. المعرفة تسأل دائماً، وكلما وجدت أرضاً أصلب أعادت بناء نفسها عليها. أما اليقين الزائف فيبقى في مكانه حتى لو بدأ السقف ينهار فوق رأسه، لأنه لا يبحث عن أدلة بقدر ما يبحث عن راحة.
هذا السلوك صار سمة هذا العصر. نعيش زمناً يكافئ من يتكلم بثقة أكثر مما يكافئ الدقة. المنصات الرقمية تحتفي بالواثق وتمنحه وصولاً أسرع من المتأمل.
لي رفيق يدّعي المعرفة، وادعاؤه لا ينطلي على من يعرفون الموضوع حقاً، لكنه ينطلي على العامة. ورغم ذلك أصبح شخصاً مهماً، لا لأن أحداً لم يكتشفه، بل لأن من اكتشفوه فضّلوا الصمت. في مجتمعاتنا لا أحد يحاسب من يدّعي، والمواجهة تكلّف علاقات. وأحياناً لا يوجد ثمن حقيقي يدفعه من يدّعي.
المعرفة الحقيقية، على عكس ما يُظن، تولّد التواضع لا الغرور. كلما ازداد الإنسان علماً، عرف أكثر كم يجهل. ومن يظن أنه وصل إلى نهاية الطريق يتوقف عن السير. ومن يتوقف عن السؤال يفقد القدرة على التعلّم.
ربما لا يكون المدّعي وحده المشكلة، فالمجتمع يكافئ الواثق أكثر مما يكافئ الباحث عن الحقيقة. وربما كان أخطر المدّعين هو ذلك الذي صدّقناه قبل أن نطلب منه دليلاً.
الحكمة لا تبدأ حين نجد الإجابة، تبدأ حين نتوقف عن الخوف من قول «لا أعرف».
كلما قلت: «قد أكون مخطئاً»، اقتربتُ خطوةً من الحقيقة... وكلما قلت: «أنا متأكد»، ربما ابتعدتُ عنها من دون أن أشعر.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة