الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

عالم ما بعد ولاية دونالد ترامب

24 يوليو 2026 00:06 صباحًا | آخر تحديث: 24 يوليو 00:06 2026
دقائق القراءة - 3
شارك
share
بدأ نظام ضبط وتوجيه العلاقات الدولية، الذي جرى اعتماده بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، في التراجع بداية من سياسات روسيا والصين الأحادية الجانب، ووصل إلى مرحلة التفكك والاضمحلال وفقاً للمقاربات الجيوسياسية التي ترى أن إدارة البيت الأبيض تعمل على توثيق موته قبل نهاية الولاية الثانية لترامب؛ ومن ثم فنحن نعيش الآن زمن العلاقات المبنية على القوة وعلى الصعود العشوائي للقوميات بشكل يمكن أن تكون له نتائج كارثية على السلم الدولي، وذلك علاوة على الآثار السلبية غير المحسوبة التي يمكن أن تنجر عن التوظيف المتسيّب لقدرات الذكاء الاصطناعي الذي بات يُسهم بشكل واضح في قلب موازين القوى، الأمر الذي يفرض على دول أوروبا وآسيا وإفريقيا إعادة النظر في حساباتها حتى لا تصبح مجرد رقم في حسابات العملاقين الصيني والأمريكي.
يقول جان ماري غيهينو: إننا نشهد ميلاد مرحلة جديدة دخلت معها الحروب إلى حياتنا وتحوّلت إلى سلوك دارج دون أن تثير بداخلنا مشاعر رفض حقيقية؛ وتشير الإحصائيات التي نشرها معهد السلام العالمي في أوسلو إلى أنه في سنة 2024 ارتفع عدد الصراعات إلى 61 موزعة على 36 بلداً حول العالم، وقفز عدد الضحايا إلى 129000، ونشهد الآن عودة الحروب ذات المنسوب العالي من الضراوة والتدمير، وبدأت تسقط المحاذير التي وضعتها اتفاقيات جنيف بعد الحرب العالمية الثانية، الواحدة بعد الأخرى، وما حدث مؤخراً في غزة يعتبر أكبر شاهد على ذلك، حيث جرى قتل المدنيين وتدمير المنشآت الصحية على نطاق واسع، ويجري الآن ملاحقة قضاة محكمة العدل الدولية الذين كانت لهم جرأة المطالبة بمحاسبة مرتكبي التجاوزات التي حدثت في حق المدنيين.
ويمكننا أن نطرح هنا السؤال الأكثر إلحاحاً: إلى ماذا يمكننا أن نُرجع هذا الظلام الذي بدأ ينتشر على مستوى العلاقات الدولية، في كل أصقاع العالم؟ وبخاصة وأن الأمم المتحدة أصبحت مغيّبة وعاجزة عن تنفيذ المهام التي أنشئت من أجلها والتي من أبرزها المحافظة على الأمن والسلم الدوليين، حيث لم تتمكن من لعب دور الوسيط بشكل فعال في أي من النزاعات التي شهدها العالم خلال السنوات الماضية.
وما يجعل الوضع أكثر ظلامية هو أننا انتقلنا من صراع بين كتلتين قويتين في زمن الحرب الباردة تستندان على قاعدتين أيديولوجيتين عقلانيتين، إلى صراع بدأت تعود فيه مناطق النفوذ دون غطاء أيديولوجي متماسك، وبالتالي فإن الصراع الحالي يغيب عنه كل غطاء معياري أو مرجعية أخلاقية ولا تحتاج فيه القوى الكبرى لخطاب قادر على تبرير مواقفها؛ وقد قاد ذلك إلى تفكيك كل الأرضيات المشتركة للممارسة الدبلوماسية وأضحى التفاوض العقلاني شبه مستحيل وبخاصة عندما يرى طرف معين أن لديه ما يكفي من القوة وأدوات الضغط والابتزاز لفرض إرادته على الأطراف الأخرى، وذلك ما يعطي إشارات خاطئة للقوى الإقليمية التي ترى أنه من حقها أن تتبنى الموقف نفسه الذي تتبناه القوى العظمى.
وعليه فإن الفراغ القيمي ينتقل من كونه عائقاً بالنسبة للقوى الكبرى إلى حافز، ويصبح بذلك غياب الإطار الأيديولوجي ميزة تنافسية بالنسبة لكل القوى لاسيما الصاعدة منها، لأن القوى الكبرى تتخلى عن شرط الالتزام الأيديولوجي لصالح تحقيق مصالح اقتصادية وتجارية عاجلة، ويقود ذلك إلى حالة من الاستقرار الهش في العلاقات الدولية تكون قابلة للتراجع والانتكاسة في حال تراجع حافز المصلحة المباشرة.
ونستطيع القول: إن منطق العلاقات الدولية الذي وضعته روسيا والصين ووطد دعائمه دونالد ترامب في ولايته الثانية، يكشف لنا عن بعض ملامح العالم في أفق ما بعد سنة 2029، إذ من المنتظر أن يزداد تداخل السلوكيات التجارية ومنطق الصفقات مع التقاليد الدبلوماسية الكلاسيكية الرصينة وسيتجاوز ذلك سياسة ترامب كشخص بحيث تصبح مقاربته للعلاقات الدولية بمثابة نمط دارج وليس مجرد استثناء عابر، وبخاصة إذا علمنا أن الكثير من الرؤساء الأمريكيين السابقين كانوا يمارسون، ولو جزئياً وخلف الكواليس، ما بات يمارسه ترامب في العلن، فنادراً ما كان يلتزم قادة البيت الأبيض بإطار مؤسّسي متعدد الأطراف في مفاوضاتهم مع الآخرين.
كما أنه وبصرف النظر عن هوية من سيخلف ترامب في البيت الأبيض فإن حلفاء أمريكا لاسيما في أوروبا لن تعود ثقتهم بواشنطن إلى سابق عهدها وسيواصلون تغيير هويتهم الاستراتيجية وتعزيز استقلاليتهم التكنولوجية والدفاعية والعمل على ترجمة خططهم الصناعية إلى مشاريع واقعية؛ وستعمل الصين في السياق نفسه على مواصلة تطوير قدراتها التكنولوجية وعلى جعل أكبر عدد من دول الجنوب الكبير ينضم إلى استراتيجيتها المتعلقة بأفق سنة 2049، أما على مستوى الداخل الأمريكي فسيتواصل تراجع ثقة المواطنين الأمريكيين في مؤسساتهم التمثيلية وقوانينهم الدستورية التي جرى التلاعب بها في أكثر من مناسبة.
[email protected]

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة