لقد خلخلت التقنيات الحديثة بظهور منصات التواصل الاجتماعي وتطبيقات الذكاء الاصطناعي كافة تصنيفات المنتج الثقافي والمعرفي، الذي كان في الأمس القريب منتجاً تقليدياً نخبوياً يعتمد على دور النشر الرسمية والتلفزيون، لتأخذ منصات التواصل وتطبيقات الذكاء دوراً في إدارة المنتج الثقافي، وهذا حوّل هذا المنتج إلى منظومة إبداعية رقمية مفتوحة، أتاحت للفرد فرصة أن يكون صانعاً ومستهلكاً للثقافة في آن واحد دون قيود جغرافية أو مؤسسية.
لقد ذهبت على نحو دراماتيكي آليات التعاطي الثقافي التقليدي المتمثل في طقس القراءة والتأمل، وهو الطقس الذي كان يربط الفرد بتراثه وهويته، ويدمج بين المعرفة المكتوبة والممارسة التأملية الواعية، فيسهم في خلق بيئة تفاعلية تعزز من ارتباط المجتمع بلغته العربية وتاريخه وإرثه الأصيل، ذهبت نحو فضاء تقني بحت سمته السرعة، حيث كان الإنتاج الثقافي القديم محكوماً ببطء وسائل الطباعة والنقل والتوزيع، نحو فسحة من نشر الأفكار والأعمال الإبداعية والفنية لتتجاوز حدود الجغرافيا إلى العالمية، بفضل منصات وسائل التواصل والإنترنت، فأصبح هذا النتاج الثقافي متاحاً بكلف مادية منخفضة نسبياً عبر برامج التصميم وصناعة المحتوى الرقمي والذكاء الاصطناعي.
وإذا كان الإنتاج الثقافي في الأمس يعبر في الغالب عن الهوية المحلية والتراث الوطني، فقد بات اليوم متأثراً بالعولمة والاندماج الثقافي، مما خلق محتوىً هجيناً يدمج بين المحلية والعالمية.
بتنا اليوم نعيش ما يطلق عليه (ثقافة الترند) وتأثير الخوارزميات على معايير الجودة الثقافية، وصار الكاتب أو المبدع مجبراً على إثارة الجدل لصناعة محتوى ناجح.
ولكن من جهة أخرى، فقد ظهرت الكثير من الأسئلة على صناع القرار ونخبة المثقفين والنقاد حول التحديات الصارخة التي تحتاج إلى إجابات واضحة حول مستقبل هذا الفضاء الرقمي، وتأثيره في جودة المنتج المعرفي في المستقبل، رغم النجاحات التي حولت بعض النتاجات القصصية إلى محتوى مؤثر، يحافظ على الأصالة ويواكب العصر، ويكسر القوالب الجامدة في تقديم الثقافة نحو فضاء بقالب ترفيهي مبسط مع ظهور ما يعرف بـ «البودكاست» العربي، لكن ذلك لم يمنع من ظهور خشية حقيقية من تسليع الثقافة وتبسيطها على منصات التواصل والانتشار السريع للمنتج المعرفي والتفاعل اللحظي معه.
