الأحد ١٦ جمادي الثاني ١٤٤٧ ه - ٠٧ ديسمبر ٢٠٢٥ | مواقيت الصلاة | درجات الحرارة

أسئلة يجيب عنها الوقت

12 أغسطس 2026 00:02 صباحًا | آخر تحديث: 12 أغسطس 00:02 2026
دقائق القراءة - 2
شارك
share
في زمن صار فيه العالم يَعِدنا بكل شيء على عجل: تصلنا الأخبار قبل أن نستوعبها، والطعام قبل أن نشعر بالجوع، والصور قبل أن تكتمل اللحظة، حتى صرنا نظن أن كل ما نريده ينبغي أن يصل إلينا بكبسة زر. نسينا، في هذا الركض كله، أن في الحياة أشياء لا تُختصر، ولا تُسرع، ولا تأتي حين نطلبها، لأن بعض الأشياء لا تنضج بالسرعة، بل بالوقت.
نريد أن نعرف الآن: هل نثق؟ هل نحب؟ هل ننتظر؟ هل نمضي؟ هل كان اختيارنا صائباً أم أخطأنا الطريق؟ لكن بعض الأسئلة لا يجيب عنها العقل، ولا القلب، ولا النصيحة.. يجيب عنها الوقت وحده. فهو لا يتحدث كثيراً، لكنه يكشف كثيراً، لا يجادل الحقيقة، بل يتركها تمشي أمامنا حتى نراها كما هي.
ولعل أجمل ما في الوقت أنه لا يغير الأشياء دائماً، بل يغير قدرتنا على رؤيتها. ما ظنناه نهاية قد يصبح بداية، وما حسبناه خسارة قد نكتشف أنه نجاة، ومن حسبناه عابراً قد يكشف الزمن أنه ترك فينا أثراً لا يعبر. حتى الاشتياق لا يعرف معناه من اللحظة الأولى، فبعضه يذوب حين تهدأ الذاكرة، وبعضه يبقى حين يسقط كل ما عداه، فنكتشف أننا لم نكن نشتاق إلى شخص، بل إلى حياة كانت لنا معه.
وفي عالم يمنحنا كل شيء سريعاً، أصبح الانتظار ضيفاً ثقيلاً على القلوب. نريد الثقة كاملة قبل أن تمنحنا الأيام أسبابها، والحب واضحاً قبل أن تمنحه التجربة ملامحه، والنضج قبل أن ندفع ثمنه. نريد الثمرة، وننسى الشجرة، ونريد الربيع، ونستعجل الشتاء على الرحيل.
لكن الوقت لا يستعجل أحداً. يترك البذرة في عتمتها حتى تعرف كيف تشق التراب، ويترك الفجر يتدرج في السماء حتى لا يؤذي العين، ويترك البحر يصنع الشاطئ موجة بعد موجة. كأن الحياة تقول لنا، في هدوء لا نسمعه وسط هذا الضجيج: ما يستحق أن يبقى، يحتاج أن يأخذ وقته.
ولعل النضج ليس أن نعرف الإجابات أسرع، بل أن نعرف أي الأسئلة علينا أن نتركها للزمن. فبعض الحقائق لا تأتي حين نبحث عنها، بل حين نكف عن مطاردتها. وبعض الأبواب لا يفتحها المفتاح، بل يفتحها الوقت.
ربما لم يكن الوقت يوماً يؤخر الإجابة، ربما كان يصنعها. وليس المهم كم مر من الوقت علينا، بل كم مر الوقت فينا.

logo اقرأ المزيد

الأكثر قراءة