مع كل يوم تقترب فيه الانتخابات النصفية الأمريكية، المقرّرة في الثالث من نوفمبر/ تشرين الثاني المقبل، تتوضح أكثر فأكثر طبيعة الحروب التي تجري في وقت واحد، وتتداخل ساحاتها ونتائجها، فضمن السباق الانتخابي المحتدم، والذي يجري في ظروف غير اعتيادية، تبرز طبيعة الانقسامات الكبرى في الساحة السياسية، ابتداءً من الأزمات الداخلية المتعددة، وصولاً إلى المواقف المتباينة من الحرب الأخيرة ضد إيران، وكذلك الصراعات الدائرة بين ممثلي الاتجاهات الصناعية الكبرى حول مستقبل الاقتصاد الأمريكي، وبطبيعة الحال هناك قضايا حاضرة دائماً في كل انتخابات مثل قضية الهجرة، لكنها تأخذ مع هذه الانتخابات مستوى أعلى من الحدية بسبب الآليات المتشددة التي تبنتها إدارة ترامب، ومارستها بقوة من خلال سلطات إنفاذ القانون، والتي أثارت جدلاً واسعاً في بلد تأسس عبر موجات من الهجرة.
تتمثل الحرب الأولى في هذه الانتخابات بتحديد من سيحكم واشنطن، فالجمهوريون يدخلون الانتخابات وهم يدافعون عن قدرتهم على الاحتفاظ بالسلطة التشريعية في النصف الثاني من ولاية دونالد ترامب، بينما يسعى الديمقراطيون إلى تحويل الانتخابات إلى استفتاء على العامين الأولين من ولايته الثانية، وإلى استعادة واحد على الأقل من مجلسي الكونغرس.
لكن الأهمية الحقيقية لهذه الحرب لا تكمن في عدد المقاعد بقدر ما تكمن في السؤال عما إذا كان ترامب سيحكم خلال العامين الأخيرين من ولايته في ظل كونغرس متعاون معه، أم في ظل حكومة منقسمة، فخسارة الجمهوريين مجلس النواب ستفتح الباب أمام رقابة أشد على الإدارة، ولجان تحقيق ومواجهات حول الموازنة والإنفاق والسياسات الداخلية والخارجية، أما خسارة مجلس الشيوخ أيضاً، إذا حدثت، فستجعل المواجهة أوسع، خصوصاً في ملفات التعيينات والقضاء وعدد من أدوات السياسة الخارجية.
وكما في معظم الانتخابات الأمريكية، يبقى الاقتصاد العامل الأكثر التصاقاً بالسلوك الانتخابي، فالناخب الأمريكي لا يقيس الاقتصاد بالناتج المحلي الإجمالي، وإنما بمسائل ملموسة في حياته اليومية، من مثل الغذاء والسكن والطاقة والتأمين الصحي، وبقدرته على العثور على وظيفة والحفاظ على مستوى معيشته.
ومن هنا يخوض الجمهوريون والديمقراطيون حرباً على تفسير الوضع الاقتصادي، إذ يحاول ترامب والجمهوريون تقديم سياساتهم الضريبية والتجارية والحمائية باعتبارها مشروعاً لإعادة بناء القوة الصناعية الأمريكية وحماية الوظائف وتقليل اعتماد البلاد على الخارج، بينما يركز الديمقراطيون على كلفة المعيشة والآثار التي تتركها الرسوم الجمركية والسياسات المالية والحروب على المستهلك الأمريكي.
وفي داخل هذه الحرب، هناك مسألة مفصلية تتعلق بالشكل الذي ستكون عليه الرأسمالية الأمريكية خلال السنوات المقبلة، هل ستكون أكثر حمائية وقومية، أم ستكون أكثر انفتاحاً، وكيف سينعكس التنافس بين القوى الاقتصادية التقليدية، المتمثلة في قطاعي الطاقة والصناعات، وبين القوى الاقتصادية المتمثلة في التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي، وهذه مسائل ليست داخلية محضة، فالرؤية الاقتصادية تحدد بدورها العلاقة مع الصين، والرسوم الجمركية، وسلاسل الإمداد، والعقوبات، وسياسة الطاقة، والإنفاق العسكري.
أما الحرب الثالثة، فتتمثل في الصراع على تعريف أمريكا نفسها، وهو ما تعكسه الانقسامات العميقة حول قضايا الهجرة والحدود والإجهاض والجريمة والتعليم والدين وقضايا النوع الاجتماعي وعلاقة الحكومة الفيدرالية بالولايات، فقد استطاع الرئيس ترامب أن يحول جانباً كبيراً من هذه التناقضات إلى مشروع سياسي تحت شعار «أمريكا أولاً»، وفي المقابل، يقدم الديمقراطيون تصوراً أكثر ليبرالية وتعددية للمجتمع والدولة.
أما الحرب الرابعة، فهي حرب الأجيال الأمريكية، حيث يبرز جيل أمريكي جديد من الناخبين الشباب الذين تكوّن وعيهم خارج أدوات الإعلام التقليدي، ولهم حساسيات مختلفة تجاه القضايا الداخلية والخارجية، وقد ظهر ذلك خلال الوقفات التضامنية التي أقامها الطلاب في الجامعات تضامناً مع الضحايا المدنيين في غزة، كما ظهر في فوز زهران ممداني، ذي الأصول الهندية المسلمة، بمنصب عمدة نيويورك، مدعوماً من جيل الشباب والإعلام الرقمي.
أما الحرب الخامسة، وربما الأكثر أهمية للمراقب الخارجي في الصين وأوروبا وروسيا والشرق الأوسط، فتتصل بطبيعة الوظيفة التي ينبغي للقوة الأمريكية أن تؤديها في النظام الدولي، وهي تدور بين ثلاثة اتجاهات، يرى الأول أن المصلحة الأمريكية تتحقق من خلال استمرار قيادة الولايات المتحدة لنظام من التحالفات والمؤسسات والقواعد الدولية، وأن كلفة هذه القيادة أقل من كلفة التخلي عنها وترك فراغ تملؤه الصين أو روسيا أو قوى أخرى، والثاني تمثله الترامبية، وهو لا ينكر ضرورة التفوق الأمريكي، لكنه يشكك في ضرورة أن تدفع واشنطن كلفة إدارة نظام يستفيد منه الآخرون.
ووفق هذا التصور، ليست مهمة القوة الأمريكية حماية النظام الدولي بقدر ما هي تعظيم المكاسب الأمريكية داخله، أما التصور الثالث، فيبحث عن انخراط أكثر انتقائية، يواءم بين الاحتفاظ بالتفوق العسكري والتكنولوجي وشبكة التحالفات، مع إعادة ترتيب الأولويات وتقليل الالتزامات في المناطق التي لا تعد حيوية بما يكفي، وتركيز الموارد على المنافسة الكبرى مع الصين.
خمس حروب تتقاطع للمرة الأولى في انتخابات أمريكية واحدة تجري في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، لا تجعلها مهمة فقط للجمهوريين والديمقراطيين وقاعدتيهما الانتخابيتين، وإنما محطّ أنظار كل القوى الفاعلة في النظام الدولي.
