في نوفمبر/ تشرين الثاني من العام 1999، والعالم يستعد لوداع ألفية واستقبال أخرى، أطلق صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي، مشروعاً إعلامياً عربياً طموحاً، انطلق من إيمان سموه بأهمية الصحافة والصحفيين، وبالدور الحساس الذي تؤديه هذه المهنة في تشكيل وعي المجتمعات وقدرتها على مواجهة المستقبل.
لم يكن للصحافة العربية يومها ما لديها اليوم من جوائز ومنصات ومؤسسات تجمع أهلها. وعندما أطلق الشيخ محمد بن راشد جائزة للصحافة، لم تكن الجوائز المتخصصة في هذه المهنة مألوفة عربياً. وعندما أسس نادي دبي للصحافة، كانت فكرة نوادي الصحافة أكثر انتشاراً في الغرب، حيث ترسخت مكانة الإعلام باعتباره سلطة رابعة.
لكن الشيخ محمد بن راشد أراد للإعلاميين العرب كيانَهم، مكاناً يحتضنهم، ويرتقي بمهنتهم، ويصقل مهاراتهم، ويجمعهم بعيداً عن دهاليز السياسة وحساباتها وأجنداتها.
كان سموه يريد، باختصار، بيتاً للإعلام العربي في دبي.. وهذا ما تحقق بجهد وتميز واقتدار.
ولتحويل الرؤية إلى واقع، كلّف الشيخ محمد بن راشد، محمد عبدالله القرقاوي، رئيس المكتب التنفيذي آنذاك ووزير شؤون مجلس الوزراء حالياً، بالإشراف على إطلاق المشروع، في مرحلة كانت دبي ترسم فيها أيضاً ملامح مشروع أكبر لتحويل الإمارة إلى مركز إقليمي لصناعة الإعلام، بالتزامن مع تأسيس مدينة دبي للإعلام.
أتذكر النقاشات التي دارت يومها حول جدوى هذا التجمع، وكنت من بين الذين اعتقدوا أن الصحفيين صعاب المراس، وأن جمعهم تحت سقف واحد، في ظل الخلافات والتجاذبات المتكررة بين دولهم، يحتاج إلى جهد استثنائي ونَفَس طويل، إن لم تكن المهمة مستحيلة أصلاً.
وكان «بوسعيد» يستمع إلى تلك التحفظات برحابة صدر، لكن رده كان دائماً واضحاً: الشيخ محمد مؤمن بفكرته، وهو يحب الصعاب ويقبل التحدي. وكان الرهان في مكانه.
لكن الرؤية، مهما بلغت قوتها، تحتاج إلى من يحملها ويمنحها القدرة على الاستمرار والتجدد. وهنا لا يمكن الحديث عن هذه المسيرة من دون التوقف عند الدور المحوري للأخت منى غانم المري، نائب الرئيس والعضو المنتدب لمجلس دبي للإعلام، رئيسة نادي دبي للصحافة، التي ارتبط اسمها بالنادي منذ بداياته، وحملت مسؤولية تحويل الفكرة إلى مؤسسة مؤثرة.
ومع فريق عملها، واصلت منى المري البناء والتطوير عاماً بعد عام. وفي السنوات الأخيرة، وتحت قيادة سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، النائب الثاني لحاكم دبي رئيس مجلس دبي للإعلام، توسعت المبادرات والمنصات حتى أصبح المشروع جزءاً أصيلاً من المشهد الإعلامي العربي.
وتطور منتدى الإعلام العربي ليصبح موعداً ينتظره الإعلاميون وقادة المؤسسات والمفكرون للحوار حول قضايا المهنة ومستقبلها، فيما توسعت جائزة الصحافة العربية بدورها إلى جائزة الإعلام العربي لتواكب التحولات التي شهدتها الصناعة وتعدد منصاتها.
والأرقام تختصر جانباً من حجم الرهان ونتائجه. فمنذ انطلاق منتدى الإعلام العربي، استقطب عشرات الآلاف من الإعلاميين وقادة المؤسسات وصناع القرار والمفكرين، وبات يجمع في دوراته الأخيرة أكثر من ثلاثة آلاف مشارك سنوياً. أما الجائزة، التي بدأت باسم «جائزة الصحافة العربية» وتطورت إلى «جائزة الإعلام العربي»، فقد استقطبت خلال 25 دورة أكثر من 82 ألف مشاركة، وكرّمت 359 فائزاً. أرقام تؤكد أن الفكرة التي بدأت قبل أكثر من ربع قرن تحولت إلى واحدة من أبرز منصات الإعلام العربي.
وعلى مدى أكثر من ربع قرن، لم يكن الإعلاميون القادمون إلى دبي يشاهدون تطور هذه المنظومة فقط، بل كانوا يشاهدون أيضاً التطور المذهل الذي حققته الإمارات عاماً بعد عام، وكيف يمكن للرؤية، حين تقترن بالإرادة والعمل، أن تتحول إلى إنجاز.
وبالنسبة إليّ، لم تكن هذه المسيرة حدثاً تابعته من بعيد. فقد كان لي شرف العضوية في مجالس إدارة جائزة الصحافة العربية لدورات عدة، وأن أساهم، ولو بجزء صغير، في إضافات كان هدفها الارتقاء بصناعة الإعلام العربي. وهي تجربة أعتز بها لأنها أتاحت لي أن أرى من الداخل كيف تتحول الفكرة إلى مؤسسة والطموح إلى واقع.
وبعد أكثر من ربع قرن، تكاملت فصول الحكاية: رؤية محمد بن راشد التي سبقت زمنها، وفرق عمل مثابرة، وجهود مضنية، وشبكة علاقات إعلامية مع صناع القرار، وقيادة شابة يرأسها سمو الشيخ أحمد بن محمد بن راشد آل مكتوم، لمواكبة المتغيرات اليومية في صناعة الإعلام مع دخول التقنيات الحديثة كل بيت وكل زاوية في مجتمعاتنا.
كنت يومها واحداً ممن تساءلوا: هل يمكن حقاً جمع الصحفيين العرب، بكل اختلافاتهم، تحت سقف واحد؟
واليوم، أجد في ما تحقق الإجابة الأبلغ. قبل أكثر من ربع قرن، كان الرهان على أن يجتمع الإعلاميون العرب في دبي، واليوم السؤال: ماذا سيقولون منها للعالم؟.
