تأتي نظرية الطاقة الاتصالية ثمرة ربع قرن من البحث والتعليم الجامعي في كليات الإعلام والتوثيق، ومن الاشتغال على الاتصال بوصفه إحدى أكثر الظواهر التصاقاً بالإنسان المعاصر. وقد قادتني هذه الرحلة الطويلة إلى سؤال يبدو بسيطاً في ظاهره، لكنه يزداد تعقيداً كلما تعمّقنا فيه: ماذا حلّ بالإنسان في عالمٍ أصبح الاتصال فيه متاحاً إلى حدّ غير مسبوق، بينما بات التواصل، في معناه الإنساني العميق، أكثر صعوبة؟
نحن نعيش مفارقة تاريخية لافتة: كلما ازدادت وسائل الاتصال، بدا الإنسان أكثر ابتعاداً عن الآخر. الشاشات التي وُلدت لتقرّب المسافات تحولت، في كثير من الأحيان، إلى حواجز شفافة بين البشر. وأصبحت الأصابع تتحرك باستمرار فوق الزجاج، فيما تتراجع اللقاءات الحقيقية، ويغدو الصمت رفيقاً دائماً في عالم يمتلئ بالرسائل، والصور، والأصوات.
من هنا جاءت فكرة الطاقة الاتصالية. فهي ليست مجرّد قدرة على نقل المعلومات، ولا مجرّد مهارة في استخدام وسائل الإعلام، بل هي طاقة إنسانية عميقة تتصل بالحياة ذاتها: بالكلام، والتعبير، واللقاء، والعاطفة، والغريزة، والفكر، والرغبة في الوصول إلى الآخر والاعتراف بوجوده.
لقد ظل العقل، طوال قرون، يحتل موقعاً مركزياً في بناء المعرفة الإنسانية، وكان الإنسان يراكم العلوم والفلسفات والنظريات من خلال العقل، والتنظيم، والتفسير. لكن عصرنا يشهد انفلاتاً متزايداً للغرائز، والعواطف، والميول، بالتوازي مع انتقال جانب كبير من التحكم في حياتنا إلى الأجهزة والشاشات والمنظومات الرقمية. وفي هذا التحول، تبدو الحاجة ملحّة إلى إعادة التفكير في الإنسان، لا بوصفه عقلاً فقط، بل بوصفه كائناً متكاملاً تتفاعل فيه البيولوجيا، والغريزة، والقوة، والحياة، والعاطفة، والفكر.
لقد عرفت الحضارات الإنسانية أشكالاً متعددة من الاتصال: من الأسطورة والدين، إلى الفلسفة والعلم، ومن الكتابة إلى الإعلام الحديث. غير أن الثورة الرقمية أدخلتنا إلى مرحلة جديدة، مرحلة لم نعُد فيها نعيش على الأرض فقط، بل داخل فضاء واسع من الصور، والأصوات، والبيانات، والشاشات. إنها بداية حضارة جديدة، يمكن أن نسميها حضارة الفضاء، أو حضارة الهواء، حيث أصبح الاتصال جزءاً من بنية الحياة اليومية نفسها.
وفي هذا السياق، لا أطرح الطاقة الاتصالية بوصفها نظرية مغلقة، بل بوصفها دعوة إلى إعادة اكتشاف الإنسان. فقد ظهرت فكرة الطاقة، بأشكال وتسميات مختلفة، في الفكر الأسطوري، والديني، والفلسفي، والبيولوجي، واشتغل عليها مفكرون وفلاسفة وعلماء نفس، من زوايا متعددة. غير أنني أرى أن المطلوب اليوم هو توسيع مفهومها بحيث لا تبقى محصورة في جانب من الشخصية الإنسانية، بل تمتد إلى الإنسان في كليته، وفي علاقته بالآخر والعالم.
إن الطاقة الاتصالية دعوة إلى إيقاد نار التواصل التي خبت بين البشر، إلى إعادة الحياة إلى الكلام، واللقاء، والتعبير. فالكلمة ليست مجرّد أداة لنقل المعنى، والكتابة ليست مجرّد وسيلة لتسجيل الأفكار، إنهما، في جوهرهما، فعل حضور إنساني. وربما لهذا يمكن أن يصبح الكلام والكتابة شكلاً من أشكال الترميم والشفاء، للجسد والنفس معاً.
ومن هنا أرفع الاتصالية إلى مستوى يتجاوز مجرّد كونها تقنية، أو وظيفة إعلامية، لأراها حاجة إنسانية أساسية، وربما مبدأ فكرياً جديداً لعصر يعيش فيه البشر داخل الشاشات. إنها لغة، ومذهب في النظر إلى الإنسان، وطريق إلى استعادة العلاقات الطبيعية التي بدأت تتفكك تحت ضغط العزلة الرقمية، وسرعة الحياة، وتحوّل الإنسان إلى متلقٍّ دائم.
إننا، ونحن نبحث عن المستقبل، لا ينبغي أن ننسى الإنسان نفسه. فكل تقدم في وسائل الاتصال لا تكون له قيمته الحقيقية إذا أدى إلى مزيد من العزلة والانقطاع. والسؤال الذي يظل مفتوحاً أمامنا ليس: كم أصبحنا قادرين على الاتصال؟ بل: هل ما زلنا قادرين على التواصل؟
