خباب بن الأرت أسلم راغباً وهاجر طائعاً

الصحابة الرواة
02:39 صباحا
قراءة 8 دقائق

اختلف في نسبه فقيل: هو خزاعي، وقيل هو: تميمي، ولم يختلف أنه حليف لبني زهرة، والصحيح: أنه تميمي النسب، لحقه سباء في الجاهلية، فاشترته امرأة من خزاعة، هي أم أنمار بنت سباع الخزاعية، وكانت من حلفاء بني عوف بن عبد عوف بن عبد الحارث بن زهرة، والخلاصة أنه تميمي بالنسب، خزاعي بالولاء، زهري بالحلف.

هو خباب بن الأرت بن جندلة بن سعد بن خزيمة بن كعب بن سعد بن زيد مناة بن تميم، وكان يكنى: أبو عبدالله، وقيل: أبو محمد، وقيل: أبو يحيى.

مسارعة خباب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ليسمع منه ويسأله عن هذا الدين الجديد، تدل على أنه كان صاحب عقل راجح وقلب نظيف، وفطرة سليمة، وكان قد اشتهر باستقامته ومهارته في صنعته، ما جعل فتيان قريش وسادتها يقبلون على السيوف والنبال التي أتقن صناعتها، وعلى ما يحتاجونه من أدوات تصنع من الحديد، فكان من قدره أن يكون من المسلمين الأوائل، وقد شرح الله صدره، وأسلم قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم دار الأرقم، وقيل كان سادس ستة أسلموا على ظهر الأرض، وقد جاء وقت كان فيه خباب سدس الإسلام، وانقلب حاله، وأعرضت عنه قريش وكفارها، وناصبوه العداء، وأعلنوها حرباً على كل المسلمين خاصة منهم الضعفاء، وكان واحداً منهم.

كان خباب شجاعاً، وكان الحق يملؤه، فلم يكتم إسلامه عن أحد، وهو القن المملوك لسيدته، الذي لا عصبية له تحميه، وليس له من يمنعه من عتاة المشركين، ومن تكبرهم واستعلائهم على الضعفاء، ولم يمنعه ذلك من أن يكون أول من أظهر الإسلام بمكة، وكما هو متوقع، وكما هي طبيعة المعركة بين الحق والباطل، أوذي خباب وعُذب، وفتن في دينه، فما لبث أن بلغ خبره أم أنمار فاستشاطت غضبا، وتميزت غيظا، وصحبت أخاها سباع بن عبدالعزى ولحقت بهما جماعة من فتيان خزاعة ومضوا جميعا إلى خباب، فوجدوه منهمكا في عمله، فأقبل عليه سباع، ودار بينهما حوار يشي بشخصية ونفسية خباب القوية المؤمنة، قال سباع: لقد بلغنا عنك نبأ لم نصدقه، فقال خباب: وما هو؟ قال سباع: يشاع أنك صبأت وتبعت غلام بني هاشم، فقال خباب في هدوء: ما صبأت، وإنما آمنت بالله، وحده لا شريك له، ونبذت أصنامكم، وشهدت أن محمدا عبدالله ورسوله.

بدأت من تلك اللحظة رحلة خباب مع العذاب، فما إن لامست كلماته مسامع سباع ومن معه، حتى انهالوا عليه ضربا بالأيدي والأقدام، وبما يصلون إليه من المطارق وقطع الحديد، ولم يتركوه إلا وقد فقد وعيه، والدماء تنزف منه.

ثبت خباب على الحق ولم تجد معه ألوان التعذيب التي واجهوه بها، صبر ولم يعط الكفار ما سألوا، ولم تنفع معه كل أنواع الإغراءات، وظل قويا بالحق رغم الإيذاء، والإغراء، وله قصة في ذلك مع أحد سادة قريش، وكان قد باع العاص بن وائل سيوفاً عملها له حتى كان له عليه مال، فجاءه يتقاضاه، فقال: لا أعطيك حتى تكفر بمحمد، وانظر إليه يرد على أحد سادة قريش في عزة وأنفة المؤمن قال: لا والله، لا أكفر بمحمد، حتى تموت ثم تبعث، قال: وإني لميت ثم مبعوث؟ قال خباب: نعم، فقال له العاص مستهزئا وساخرا: يا خباب أليس يزعم محمد صاحبكم هذا الذي أنت على دينه أن في الجنة ما ابتغى أهلُها من ذهب، أو فضة، أو ثياب، أو خدم؟ قال خباب: بلى، قال: فأنظرني إلى يوم القيامة حتى أرجع إلى تلك الدار فأقضيك هنالك حقك، فوالله لا تكون أنت وصاحبك يا خباب آثر عند الله مني، ولا أعظم حظا في ذلك، فأنزل الله تعالى قوله: أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالاً وولدا، أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا، كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا، ونرثه ما يقول ويأتينا فردا.

وتزايدت موجات التعذيب وتعددت صنوفه، حتى إنهم كانوا يضعون الحديد المحمي على جسده فما يطفئ النار إلا الدهن الموجود في ظهره، ما دفعه هو ومن معه ممن لا ظهر لهم ولا مانع، إلى أن يرفعوا شكواهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، يطلبون منه أن يستنصر لهم الله عز وجل، يقول خباب: شكونا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟، ألا تدعو الله لنا؟

ويأبى صانع الرجال ومعلم الأجيال، إلا أن يشد من أزر خباب ومن معه، ويبعث فيهم الأمل، ويبشرهم بنصر دين الله، مذكرا لهم بمن سبقهم على الدرب، يقول خباب: فقعد وهو محمر وجهه فقال: كان الرجل فيمن قبلكم يحفر له في الأرض فيجعل فيه، فيجاء بالمنشار، فيوضع على رأسه فيشق باثنتين، وما يصده ذلك عن دينه، ويمشط بأمشاط الحديد، ما دون لحمه من عظم أو عصب، وما يصده ذلك عن دينه، والله ليتمن هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت، لا يخاف إلا الله أو الذئب على غنمه، ولكنكم تستعجلون.

تكريم إلهي

جاء المدد من عند الله، فأمر نبيه أن يقدمهم ولا يسمع كلام المشركين فيهم، وقد أراد الله بذلك أن يظهر استغناء دينه ورسوله عن الاعتزاز بالطغاة القساة، وليظهر لهم أنّ أولئك الضعفاء خير منهم، وأنّ الحرص على قربهم من الرسول صلى الله عليه وسلم أولى من الحرص على قرب المشركين، ويروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان قاعدا مع عمار وصهيب وبلال وخباب بن الأرت في أناس من ضعفاء المؤمنين، فلما رأى المشركون ذلك حقروهم فخلوا به، فقالوا: اطرد هؤلاء لا يجترئُون علينا، وقالوا: إن وفود العرب تأتيك فنستحي أن يرانا العرب قعودا مع هذه الأعبد، فإذا جئناك فأقمهم عنا، قال: نعم، قالوا: فاكتب لنا عليك كتابا، فدعا بالصحيفة ودعا عليا ليكتب، وضعفاء المسلمين الستة قعود في ناحية، إذ نزل جبريل بقوله تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظّالمين، وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من اللّهُ عليهم من بيننا أليس اللّه بأعلم بالشاكرين، وإذا جاءك الذين يؤمنون بآياتنا فقل سلام عليكم كتب ربكم على نفسه الرحمة أنه من عمل منكم سوءا بجهالة ثم تاب من بعده وأصلح فانه غفور رحيم، فرمى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصحيفة ودعاهم فأتوه، وهو يبادرهم بقوله: سلام عليكم، يقولون: فدنونا منه حتى وضعنا ركبنا على ركبته، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجلس معنا، فإذا أراد أن يقوم قام وتركنا فأنزل الله تعالى: واصبر نفسك مع الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ولا تعد عيناك عنهم، فكنا بعد ذلك نقعد مع النبي، فإذا بلغنا الساعة التي كان يقوم فيها قمنا وتركناه، وإلا صبر أبدا حتى نقوم.

خباب: يا أمير المؤمنين ما هو بأحق مني، إن بلالا كان له في المشركين من يمنعه الله به، ولم يكن لي أحد يمنعني، فلقد رأيتني يوما أخذوني وأوقدوا لي نارا ثم سلقوني فيها، ثم وضع رجل رجله على صدري، فما اتقيت الأرض أو قال برد الأرض إلا بظهري، ثم كشف خباب عن ظهره فرأى أمير المؤمنين آثارا مما عذبه المشركون، فهاله ما رآه، فقال: ما رأيت كاليوم ظهر رجل.

علم وجهاد

أحب خباب العلم، وحرص على سماع القرآن ونشره بين إخوانه المسلمين، والقصة التي تروى في إسلام عمر بن الخطاب تفيد أن خباباً كان يدرس القرآن مع سعيد بن زيد وزوجته فاطمة بنت الخطاب، عندما دخل عليهم عمر بن الخطاب، وحين أمر الرسول صحابته بالهجرة بادر إليها خباب، فهاجر إلى المدينة المنورة ونزل على كلثوم بن الهدم، وآخى الرسول صلى الله عليه وسلم بينه وبين جبر بن عتيك، وقيل بينه وبين تميم مولى خراش بن الصمة، وشهد بدرا، وأحدا، والمشاهد كلها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأظهر فيها شجاعة وفروسية، وظل محبا للجهاد في سبيل الله، وشارك في حروب الردة، وفي الفتوحات أيام أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما، وصدق الله ورسول الله صلى الله عليه وسلم، ورأى خباب بأم عينه ما بشره به رسول الله، وعم الإسلام جزيرة العرب، وفتح الله على المسلمين العراق وبلاد فارس والشام ومصر، وانتشر الإسلام وأتم الله نوره على الأرض.

ونزل خباب في الكوفة وبنى لنفسه بيتا متواضعا عاش فيه حياة زاهدة، وبالرغم من هذه الحياة البسيطة، إلا أنه كان يعتقد أنه أخذ من الدنيا الكثير، فكان يبكي على بسط الدنيا له، وكان رضي الله عنه يخشى أن يحاسب على ذلك المال وأن يعذب بسببه، فوضع دراهمه ودنانيره في موضع في بيته يعرفه ذوو الحاجات من الفقراء والمساكين، ولم يشدد عليه رباطاً، ولم يحكم عليه قفلا، فكانوا يأتون داره ويأخذون منه ما يشاؤون، دون سؤال أو استئذان.

مروياته ووفاته

روى عن النبي صلى الله عليه وسلم، وله اثنان وثلاثون حديثاً، وهو رقم 88 في كتاب: أسماء الصحابة وما لكل واحد منهم من العدد لابن حزم الأندلسي، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجة، وروى عنه: حارثة بن مضرب العبدي (البخاري في الأدب المفرد والترمذي وابن ماجة) وسعيد بن وهب الهمداني (مسلم والنسائي)، وأبو وائل شقيق بن سلمة (البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي)، وعبادة بن نسي الكندي (ابن ماجة)، وابنه عبدالله بن خباب بن الأرت (الترمذي والنسائي)، وأبو معمر عبدالله بن سخبرة الأزدي (البخاري وأبو داود والنسائي وابن ماجة)، وقيس بن أبي حازم (البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي)، ومسروق بن الأجدع (البخاري ومسلم والترمذي والنسائي)، وأبو الكنود الأزدي (ابن ماجة)، وأبو ليلى الكندي (ابن ماجة)، وأبو أمامة الباهلي، وصلة بن زفر العبسي وعامر الشعبي، وعباد أبو الأخضر، وعبدالله بن أبي الهذيل، وعلقمة بن قيس النخعي، وأبو ميسرة عمرو بن شرحبيل، وعمرو بن عبدالرحمن، ومجاهد بن جبر المكي، وهبيرة بن يريم، ويحيى بن جعدة بن هبيرة.

طالت أيام المرض على خباب، وثقلت به أوجاعه، حتى قال مرة: لولا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهانا أن ندعو بالموت لدعوت به، وفي يوم دخل عليه نفر من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فقالوا: أبشر يا أبا عبدالله، إخوانك تقدم عليهم غدا، فبكى، وأشار إلى أعلى بيته وأسفله قائلا: كيف بهذا، وقد قال رسول الله: إنه يكفي أحدكم مثل زاد الراكب، ولقد رأيتني مع رسول الله ما أملك درهما، وإن في جانب بيتي الآن لأربعين ألف درهم، أما إنه ليس بي جزع، ولكن ذكرتموني أقواما وسميتم لي إخوانا، وإن أولئك مضوا بأجورهم كما هي، وإني أخاف أن يكون ثواب ما تذكرون من تلك الأعمال ما أوتينا بعدهم.

ومات خباب سنة سبع وثلاثين، وكان مرضه قد طال به، فمنعه من أن يشهد صفين، وكان عمره إذ مات ثلاثاً وسبعين سنة، ويروي زيد بن وهب أنه لما رجع علي بن أبي طالب من صفين حتى إذا كان عند باب الكوفة، إذا نحن بقبور سبعة، عن أيماننا، فقال: ما هذه القبور؟، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إن خباب بن الأرت توفي بعد مخرجك إلى صفين، فأوصى أن يدفن في ظاهر الكوفة، وكان الناس إنما يدفنون موتاهم في أفنيتهم، وعلى أبواب دورهم، فلما رأوا خبابا أوصى أن يدفن بالظهر دفن الناس، فقال علي رضي الله عنه: رحم الله خباباً، أسلم راغباً، وهاجر طائعاً، وعاش مجاهداً، وابتلي في جسمه، ولن يضيع الله أجر من أحسن عملا، ثم دنا من قبورهم، فقال: السلام عليكم يا أهل الديار من المؤمنين والمسلمين، أنتم لنا سلف فارط، ونحن لكم تبع عما قليل لاحقا، اللهم اغفر لنا ولهم، وتجاوز بعفوك عنا وعنهم، طوبى لمن ذكر المعاد، وعمل للحساب، وقنع بالكفاف، وأرضى الله عز وجل.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"