قرأنا كثيراً عن الحب من طرف واحد، وعن العواقب الخطرة لمثل هذا الحب الذي لا يجد أدنى استجابة من الطرف الآخر، وضحايا هذا النوع من الحب كثر، وأقل ما يقال عنهم في كل الحالات إنهم أضاعوا وقتهم سدى ووضعوا آمالهم في غير محلها، فكانت الخيبة والفشل هما حصاد تجاربهم الفاشلة.
والأمر لا يكاد يختلف في حالة المبادرات من طرف واحد مهما تكاثر المحبذون والمؤيدون لذلك النوع من المبادرات لا سيما حين يكون الطرف الآخر رافضاً لكل مبادرة شكلاً ومعنى. ومن بين العواقب الخطرة المترتبة على مثل هذه المبادرات التي تطرح من طرف واحد أنها تشجع الطرف الرافض على الاستمرار في مواقفه المتشددة وفي مواصلة عدوانه انطلاقاً من أن الذين يطرحون المبادرة بإلحاح لا يملكون وسيلة أخرى لإثنائه عن التشدد والعدوان.
وتجربة ما يسمى بالمبادرة العربية للسلام، هي في رأي جميع المراقبين المحايدين والعارفين لأبعاد الواقع لا تكاد تختلف عن تجربة الحب من طرف واحد، وما لاقته من تجاهل وسخرية ورفض من الكيان الصهيوني أكبر دليل على فشلها الذريع، وضرورة البحث عن وسيلة أخرى لا تضع الأمة العربية التي تم تقديم المبادرة باسمها في هذا الوضع المهين وغير اللائق. ولعل ما يزيد من مشاعر السخط والألم ان الذين تقدموا بالمبادرة يصرون عليها غير منتبهين الى استمرار العدو في رفضها والإمعان في تجاهلها منذ قمة بيروت وما تلاها من قمم وإلى آخر قمة في الدوحة، حيث كانت المبادرة لا تزال مطروحة كجثة هامدة لا تنبض، وقد قيل إن البعض يرى أن الكرامة تمنع سحبها أو دفنها.
وكانت ثالثة الأثافي، ما حدث منذ أيام من اجتماع لوزراء خارجية بعض الأقطار العربية في عمّان وإصرارهم على إعادة نفخ الروح في تلك المبادرة بقصد تصديرها دولياً وإهدائها إلى الرئيس الأمريكي الجديد بوصفها أثمن ما تفتق عنه العقل العربي في سنوات الاستسلام والهوان.
وبما أن النظام الأمريكي قد تغير وأصبح على استعداد لتقبل آراء إيجابية جديدة تقوم على أكثر من خطة ضاغطة ليس على الكيان الصهيوني فحسب، وإنما عليه وعلى الولايات المتحدة أيضاً، فهي الطرف المساند والقائم على تمويل هذا الكيان ومؤازرته سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، فلماذا تكتفي الأنظمة بتكرار تقديم نفسها في الصورة التي تجاوزتها الأحداث ودانها الواقع؟
إن المبادرة المطلوبة حالياً، وفي مناخ تصاعد أنصار الرفض الأكثر وقاحة وتحدياً، تتمثل في إلغاء المبادرة العربية وفي تشديد الخناق العربي والدولي سياسياً واقتصادياً على الكيان الصهيوني وإشعاره عملياً بأن المبادرة التي سيتم سحبها لم يتم طرحها من موقف ضعف واستسلام، وإنما جاءت من بعض الأطراف لكي تؤكد للعالم أن العرب لا يمانعون في إقامة حالة من السلام المشروط بإعادة الحقوق الكاملة للشعب العربي الفلسطيني الذي طالت سنوات محنته، وآن له أن يستعيد وجوده على أرضه السليبة، وأن ينهي حالة الشتات التي حُكم بها عليه منذ ستين عاماً ويزيد.