الضجة التي ثارت مؤخراً حول مواقف الاتحاد الأوروبي بخصوص القدس، تشكل مثالاً صارخاً للإخفاق الفلسطيني والعربي . تل أبيب هي التي أثارت الضجة، وتسابق زعماؤها على التحذير من اندفاع الأوروبيين وبالذات حيال وضع القدس، وبالطبع فقد شاركت المعارضة الأوساط الحكومية في التهويل على المواقف الأوروبية كما فعلت تسيبي ليفني زعيمة كاديما التي اعتبرت الانشغال الأوروبي بالمدينة المقدسة خاطئاً .
السويد التي تترأس الاتحاد الأوروبي تعرضت لحملات شديدة في تل أبيب، وقد تم اعتبار هذا البلد الأوروبي المسالم أنه ميدان لنشاط المعادين للا سامية . ولم يخف المسؤولون الإسرائيليون أنهم سوف يفعلون كل ما بوسعهم لثني الاتحاد الأوروبي عما ينويه . ومن دواعي الأسف أن مسعى هؤلاء لم يخب . فالبيان الذي صدر الثلاثاء الثامن من ديسمبر/ كانون الأول الجاري في بروكسل، عكس التأثير الإسرائيلي الواضح، ففي الوقت الذي دعا فيه بيان وزراء الخارجية الى القدس عاصمة لدولتين، فقد رهن البيان في فقرة أخرى( الثامنة) هذا الأمر بما ستؤول اليه المفاوضات بين الجانبين، وهي صيغة إسرائيلية تقليدية ودائمة لإحالة كل شيء على مفاوضات لا تثمر شيئاً، ولا تجد تل أبيب من يضغط عليها ويدفعها للقبول بمقتضيات الشرعية الدولية، وفي تلك الأثناء يفعل المحتلون ما يطيب لهم في الأراضي المحتلة، وفقاً لمقولة بن غوريون: ليس مهماً ما يقوله العالم، بل ما يفعله اليهود .
لكن تل أبيب تنشط مع ذلك نشاطاً محموماً كي تجعل العالم يتحدث رغماً عنه بالمنطق الإسرائيلي، كما فعلت ونجحت مع الأوروبيين هذه المرة، وبالتواطؤ مع وزراء دول مثل فرنسا وبريطانيا وبولونيا وإيطاليا ورومانيا . هذا في الوقت الذي يتغنى فيه العرب بعلاقاتهم الوثيقة بالجيران الأوروبيين، وباتفاقيات الشراكة معهم التي انجزت والتي على وشك الإنجاز . ولا يود المرء تحميل غير أصحاب العلاقة وزر ما يحدث من تراجعات، فلا منطق في انتظار أن يصبح الأوروبيون عرباً أكثر من عرب، وما دام أن الطرف المبادر والناشط هو الطرف الإسرائيلي وحده، بينما الجانب العربي غارق في انشغالاته الداخلية، ويوكل ل الاصدقاء الأوروبيين أن يفعلوا ما يرونه مناسباً .
لم تسجل خلال الأسبوعين الماضيين حركة عربية باتجاه الاتحاد الأوروبي، لتشجيعه على التمسك بمواقف مبدئية وسليمة، ولكشف المناورات الإسرائيلية الرامية الى جعل العالم يتشارك بالصمت أو التواطؤ أو المواقف الملتوية، في التغطية على استمرار الاحتلال . وما حدث مع تقرير غولدستون بخصوص جرائم الحرب على غزة، ها هو يتكرر مع مبادرة الاتحاد الأوروبي للتلاقي مع توجهات أوباما، بدفع المفاوضات على أسس واضحة وملزمة الى الأمام . وقد ضاعت هذه الفرصة برغم المكابرة الفلسطينية والعربية، حيث جرى الترحيب ببيان بروكسل، ومن دون أي تحفظ على ما ورد فيه من تراجع عن المسودة، التي لم تربط الوفاء بالحقوق الفلسطينية بأي عائق او شرط، من قبيل نجاح الطرفين في التفاوض كما ورد في البيان اللاحق .
السويد وليس أي طرف عربي هي التي اشتكت من ضغوط، أدت إلى انقسام في الموقف الأوروبي، حيث تمت التغطية على هذا الانقسام بعبارات متناقضة في البيان الختامي، وتمت فيه الإشارة الى القدس، وليس الى القدس الشرقية المحتلة عاصمة للدولة الفلسطينية، بما يتلاءم مع الطروحات الإسرائيلية التي ترى المدينة المقدسة موحدة تحت الاحتلال وخاضعة ل سيادة هذا الاحتلال .
وكما نجح الإسرائيليون في تفريغ اندفاعة الإدارة الأمريكية من مضمونها، عبر عمل مثابر موصول لا يخلو من تحقير الحلفاء في واشنطن، من قبيل القول الذي صدر عن نتنياهو بأن البيت الأبيض ليس هو وحده من يقرر السياسة الخارجية الأمريكية، كذلك فلم يتردد ناطقون في الخارجية الإسرائيلية عن الزعم، بأن دولاً أوروبية اسكندنافية هي مرتع للعداء للسامية . حدث ذلك قبل التصويت على بيان الوزراء في بروكسل، وقد أثمرت هذه الحملات المسعورة في النتيجة بصدور بيان مرتبك، لم ترض به تل ابيب كما في المواقف المعلنة رغم أنه حقق لها هدفها بربط كل شيء بالمفاوضات من دون سواها، مقابل خيبة عربية تعز على الوصف، ولدرجة أن إطلاق نعت الخيبة لا يحرك ساكناً في الموصوفين، الذين يرقبون على مدار الساعة حركات وسكنات شعوبهم أو يتربصون بدول شقيقة .
هناك الآن من لا يزال يتطلع الى موقف أوروبي فاعل، ولعل هذا الموقف صحيح مبدئياً، غير أنه يتعذر على أحد في العالم أن يفعل شيئاً ذا بال، ما دامت الأطراف المعنية على ما هي عليه من تراخٍ، ومن اكتفاء بلجاجة لفظية حول الحقوق والسلام العادل والشرعية، من دون أن تقرن ذلك بأية مواقف سياسة . في الماضي كان ينعى على المواقف العربية أنها تقتصر على التحركات الدبلوماسية، لكن حتى هذه التحركات باتت عزيزة على أصحابها: شحيحة وشديدة البطء ولدرجة التلاشي . ومع غياب تحرك دبلوماسي للدول فقد غابت الجامعة العربية بدورها، وقد بات أمينها العام منشغلاً بخوض معركة الانتخابات الرئاسية في بلاده، كما في التصريحات المتواترة عنه في الأسابيع الأخيرة . وعلى هذا النحو لنا وحتى إشعار آخر، أن لا نترقب شيئاً مع من يتعايشون مع العجز الذاتي، ولا يرون فيه ما يثير أي قلق أو تساؤل .