"السحر" السياسي للانتخابات العراقية

04:58 صباحا
قراءة 4 دقائق

هناك شاهد رئيس يثبت أن انتخابات العراق البرلمانية التي جرت أمس الأحد هي مفصلية حقاً . ولم يسبق أن شهدت البلاد مثيلاً لها منذ ستة عقود . يتمثل هذا الشاهد في ما بدا أنه فقدان مفاجىء للقوى والكتل السياسية والحزبية الأساسية، لأوزانها قبل أسابيع من الاستحقاق الانتخابي، وسعيها لامتلاك هذا الوزن أو استعادته عبر صناديق الاقتراع . وبالعودة الى الشعب لا الى أي شيء آخر .

رئيس الوزراء نوري المالكي تخفف من صفته هذه، وبدا رئيساً لائتلاف دولة القانون . لقد تكرر يومياً ظهور الرجل بصفته مرشحاً، ومستفيداً من موقعه على رأس السلطة التنفيذية، أطلق تصريحات قوية، منها أن ائتلافه سوف يحتل المركز الأول مع فارق كبير بين هذا الائتلاف وبين من يحتلون المركز الثاني . إضافة الى تصريحات لم يوفر بها زملاءه الوزراء من النقد .

المالكي الذي صعد مع الائتلاف الموحد الى جانب عمار الحكيم وابراهيم الجعفري، يتقدم منفرداً هذه المرة مترشحاً مع فئات سنية .

أما رفاق دربه فيتقدمون بائتلاف كبير يضم الجعفري والحكيم ومقتدى الصدر وممثلين عن حزب الفضيلة وعلي بن الحسين (الملكية الدستورية) والحزبين الكرديين .

التكتل الثالث الذي يقوده اياد علاوي يوصف بالوطني الليبرالي ويضم الى جانب حركة الوفاق جماعات السنة السياسية وقوى ديمقراطية .

أما التكتل الرابع فيقوده جواد البولاني وزير الداخلية، مؤتلفاً مع أحمد أبوريشة أحد قادة الصحوات، ويبدو في طروحاته قريباً من كتلة علاوي .

الجميع يراهنون مراهنة مصيرية على صناديق الاقتراع . اللغة الطائفية حتى المواربة تكاد تكون قد اختفت ومنذ بضعة أشهر عن الخطاب السياسي: هذا تطور بالغ الأهمية حتى لو كانت البواعث انتخابية، ولا تعكس قناعات بعض أصحابها . ففي اختفائها إقرار بأنه لا وطنية عراقية من دون اختراق الطوائف والمذاهب، ومخاطبة العراقيين بكافة حساسياتهم . هذا شاهد آخر على أن الانتخابات مصيرية . لقد احتجت الكتل الثلاث لأن كتلة الائتلاف الوطني العراقي برئاسة الحكيم، وضعت صورة المرجع آية الله السيستاني على ملصقاتها الانتخابية رغم تكرار التصريحات المنسوبة الى مكتب المرجع بأن السيستاني يقف على الحياد: ليس مع أحد ولا هو ضد أحد .

شاهد ثالث يدلل عليه وجود آلاف المراقبين الأجانب والعرب والمحليين، وبموافقة ورضا الجميع، إما عن قناعة بفرص الفوز، وإما خشية من التزوير والتدخلات الحكومية .

من الشواهد الأخرى أن ثلاث شخصيات على الأقل تتنافس في الوصول الى رئاسة الوزراء: المالكي وعلاوي والجعفري، من دون استبعاد شخصيات أخرى مثل البولاني .

هناك اتهامات هائلة يجري تبادلها من قبيل اتهامات لدول في الجوار بالتدخل بطرق شتى في الانتخابات منها دفع أموال لمرشحين، وإسقاط منشورات من مروحيات عسكرية ضد علاوي، فضلا عن التحذيرات الشديدة من محاولات التزوير .

يضاف الى ما تقدم أن الانتخابات تخضع لنظام مرن يجمع بين التمثيل النسبي للقوائم والترشيح الفردي، فيتم اختيار مرشح ما عن قائمة ما، لكن الاصوات تجمع في النهاية وتحسب للقائمة وتمنح مقاعد بنسبة ما حصلت عليه من أصوات من مجموع الناخبين، علاوة على الكوتا النسائية: عشرون في المائة .

من الشواهد الأخرى المهمة على استثنائية هذه الانتخابات، أن القوى السياسية كافة باستثناء مقاطعي العملية السياسية مقاطعة تامة، أقبلت على المشاركة بحماسة .

ولا ريب أن انجلاء الأفق السياسي مع اعلان واشنطن انسحاب قواتها من بلاد الرافدين مع نهاية العام ،2011 قد دفعت القوى المترددة الى خوض غمار العملية السياسية، والسعي لإحراز موقع في الواقع الجديد الذي يتشكل .

علاوة على ما يتمتع به النظام الانتخابي من شموله المقيمين في الخارج بحق الانتخاب، وهي ظاهرة لا مثيل لها في الانتخابات البرلمانية العربية، رغم انها ليست المرة الأولى التي يتم تطبيقها في الانتخابات العراقية .

وأياً كانت النتيجة التي سوف تسفر عنها هذه المنافسة الشديدة، فمن الواضح ان السجال سوف يدور حول توجهين . الأول ويدعو صراحة الى أن تحكم الاغلبية منفردة احتكاماً الى النتائج وحسب الآليات المتبعة للفرز بين القوى الحاكمة (داخل الحكومة) والقوى المعارضة .ويعبر عن هذا الاتجاه في المقام الأول المالكي وائتلافه .

أما التوجه الثاني فهو يدعو الى المضي قُدُماً في نهج توافقي، يجمع سائر الممثلين السياسيين والاجتماعيين، ويعكس التوجه لمصالحة وطنية فعلية والمشاركة السياسية وذلك نظراً لتعقيد الوضع السياسي، والحساسيات والتباينات العميقة، فضلاً عن العنف الذي أودى بحياة عشرات الآلاف، والفساد الذي استنزف ثروات البلاد .

وليس من المبالغة القول إن أي انفراد بالحكم في ظروف العراق الحالية حتى لو كان مبنياً على الفوز في الانتخابات، سوف ينطوي حكماً على عنف سياسي . فالجراح الوطنية والاجتماعية غير قابلة للالتئام من دون حكم وفاقي، وبغير حكومة وحدة وطنية عريضة، تقود البلاد الى استكمال استعادة السيادة وبناء دولة المؤسسات والقانون، ونزع أسلحة الميليشيات ووقف كل تدخل خارجي في الشؤون الداخلية وعودة العراق عضواً فاعلاً الى محيطه القومي والإقليمي .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"