استعصاء أفضل من انفراج زائف

05:26 صباحا
قراءة 4 دقائق

كان لإعلان حكومة تل أبيب عن بناء آلاف الوحدات السكنية الاستيطانية مع وصول نائب الرئيس الامريكي اليها نتائج جيدة . واشنطن ادانت الخطوة . الزائر بايدن أبدى امتعاضه .وزير الزراعة (عمالي) لوح بأن الحزب قد يخرج من الائتلاف الحكومي مع الليكود . السلطة الفلسطينية أوقفت خطة المفاوضات غير المباشرة التي كانت بُرمجت لأربعة أشهر .

ماذا كانت نتيجة الاعتراضات هذه؟ .

قام نتنياهو بمهاتفة بايدن بعد مغادرته الخميس 11 مارس/ آذار الجاري، معتذراً عن توقيت الإعلان عن خطة الاستيطان الجديدة الذي صادف يوم وصوله . ولم ينسحب الاعتذار عن الخطة نفسها الماضية على قدم وساق، بل اقتصر على التوقيت . ليس معلوماً ماذا كان رد بايدن على المهاتفة، غير أنه قد لوحظ أن الاعتراضات الأمريكية على الخطة، لم تقترن بأي تلويح باتخاذ إجراءات، ولم تدعُ واشنطن الى إلغاء الخطة ووقفها . وفي الوقت نفسه أصر السيد بايدن على محادثيه الفلسطينيين في رام الله، على أن شيئاً يجب أن لا يحول دون البدء بالمفاوضات المزمعة . فيما قال هؤلاء إنهم ينتظرون المبعوث جورج ميتشل في بحر الأسبوع الجاري، كي يحمل قراراً إسرائيلياً بإلغاء خطة الاستيطان، كي يمكن للجولة الجديدة من المفاوضات أن تبدأ، وتم إبلاغ الجامعة العربية بالأمر .

حسناً إذن، أن مياهاً راكدة قد تحركت بعض التحرك، وذلك بفعل الغطرسة الاستعراضية لحكومة الليكود، علماً أن تل ابيب دأبت من قبل على الإعلان عن خطط استيطانية جديدة، مع وصول مبعوثين أمريكيين ودوليين اليها . وذلك لبث رسائل مفادها ان تل ابيب تفعل ما تشاء وما ينسجم مع مصالحها التوسعية بصرف النظر عن مواقف الآخرين، خصوماً كانوا أم أصدقاء، ومع العلم أيضاً أن تراجعاً اسرائيلياً لم يقع بعد .

من المهم عدم التعامل مع هذه التطورات وهي ليست من النوع الدراماتيكي على أية حال،على انها تُعبر عن الوصول الى مأزق . ذلك أن الوصول الى هذا الاستعصاء، أفضل من شق الطريق الى مفاوضات عبثية يستخدمها الطرف الآخر للتغطية على ما يفعله على الأرض .على خلاف ذلك فإن هذا الاستعصاء يؤذن بعودة الأمور الى سكة مستقيمة، فالتفاوض حول الأرض لا معنى له، في ظل مصادرة هذه الأرض ونهبها . ولا يرتدي التفاوض قيمة تُذكر ما دام الراعي (الأمريكي) عاجزاً عن الوفاء بالتزاماته المعلنة أو غير راغب بذلك . .

بطبيعة الحال، فإن التمسك بهذه المواقف الصائبة غير كافٍ، إن لم يقترن بدينامية تؤدي الى تثمير هذه المواقف وكسر الجمود السياسي، والبرهنة أن التفاوض لن يتم سوى على الاستقلال واستعادة الأرض . وسوى ذلك فإن جعبة الاسرائيليين وحلفائهم لا تفرغ من المناورات الرامية للاستدراج، ودفع المفاوض الفلسطيني إما للقبول بالفتات المتبقي، أو الرفض . .مع تحميله تبعات هذه السلبية .

تنقل مصادر قريبة من الرئيس عباس أنه يتشكك في نتيجة أي مفاوضات مع حكومة نتنياهو، وأن مهلة الأربعة أشهر لن تؤدي لتحريك الوضع نحو تحقيق الأهداف، وهو ما سيحمله مجدداً على تقديم استقالته .حسناً إن الأهم من استقالة أي شخص أو بقائه في موقعه، هو المسارعة الى إطلاق دينامية جديدة تتسم بمواجهة سياسية حازمة، تعيد الاعتبار للقضية الفلسطينية على جدول الأولويات الإقليمية والدولية، وتضغط فعلياً على المراكز الدولية من أجل الدفع نحو تسوية جدية .

وهي مسؤولية تتحملها القيادات الفلسطينية قبل الجامعة العربية وأي طرف آخر . وعلى سبيل المثال وبدلاً من الدوران في حلقة مفرغة حول التفاوض، فإن إعادة التعبئة ضد الاستيطان والجدار في عمق الضفة الغربية المحتلة، هو ما يستحق منحه الأولوية . فما دام الصراع يدور على الأرض، فلا شيء يتقدم على استعادتها وتركيز الأضواء على ما يجري بشأنها .

أما المفاوضات العزيزة على قلب الرئيس عباس، فإنها في نهاية المطاف تصبح تحصيل حاصل، ولا أحد ضد مبدأ التفاوض .فإذا لم يكن من الممكن تعديل موازين القوى بصورة حاسمة مع العدو، فلا أقل من توفير بيئة ضاغطة ومناخ سياسي ملائم، يسمح بالانتقال الى مفاوضات جدية . . وكما كان عليه الحال مثلاً قبل نحو عشر سنوات في مفاوضات كامب ديفيد، التي قادها الرئيس الراحل عرفات وكان عباس في عداد الوفد المفاوض آنذاك .

من الخطأ الفادح إشاعة انطباع بالوصول الى طريق مسدود، لمجرد أن الطريق الى التفاوض غير سالكة . وأن تكون الطريق مسدودة نحو الهاوية أفضل من ان تكون مفتوحة عليها . ذلك أن المفاوضات تشكل تتويجاً لمسيرة كفاحية، ولا تتلخص هذه المسيرة بالمفاوضات وحدها . من العجب أن المستوطنين الذين تدعمهم دولتهم الباغية المسلحة حتى الأسنان، لا يتوانون عن القيام ب انتفاضات لفرض وقائع استيطانية وفق ما يرغبون، بينما يجري التطير في بعض الأوساط، من انتفاضة مدنية وتعبئة وطنية شاملة ضد الاستيطان . إن من الأهمية بمكان اعتبار هذا الغزو خطراً ليس على السلام أو التفاوض كما تفيد الرطانة الإعلامية الممجوجة، بل يشكل خطراً على الأرض والحقوق الثابتة وعلى المستقبل الوطني برمته . . وبدلاً من الارتهان للعبة مفاوضات تحدث أو لا تحدث، تخرج بنتيجة أو لا، فالأجدى إعادة صوغ الأولويات بالتركيز على ما هو جوهري وآني في الوقت ذاته: الانتفاض ضد الاستيطان والجدار ومنع الاسترخاء وبناء وحدة وطنية صلبة تحتكم الى مرجعيات وطنية ذاتية، وتشق الطريق مجدداً نحو حركة تحرر متجددة .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"