ذاع صيت القصيدة الشهيرة للشاعر اللبناني إيليا أبوماضي (1889-1957)، أحد شعراء المهجر: «جئت من أين ولكني أتيت»، بعد أن لحّن كلماتها وغناها في البداية الموسيقار محمد عبدالوهاب، قبل أن يغنيها بالألحان نفسها عبدالحليم حافظ.
لكن علاقة أبوماضي بمصر لا تنحصر في أن اثنين من كبار فنانيها غنيّا إحدى قصائده. ويمكن القول إن السنوات العشر التي قضاها أبوماضي في مدينة الإسكندرية في مطالع شبابه، كانت حاسمة في تكوينه الأدبي، والشعري، والفكري. ولم يكن إيليا أبوماضي هو الوحيد من اللبنانيين وأبناء بلاد الشام الذين قصدوا الإسكندرية بالذات، في نهايات القرن التاسع عشر، والقرن العشرين، ليجدوا فيه ما أطلقنا عليه مرة وصف «المدينة - المصهر»، التي تشكّل الشخصية، وتصقل الموهبة، وتتيح لها الفضاء الرحب الضروري للإفصاح عن نفسها.
كانت الإسكندرية، بحكم موقعها على البحر الأبيض المتوسط المفتوح على أوروبا، مهيأة لمثل هذا الدور الذي تضطلع به، عادة، المدن المرافئ التي عليها تهب رياح الثقافات المختلفة، فتستوعبها في ثناياها، لتنتج روحاً منفتحة هاضمة للجديد، والمختلف. وفي إسكندرية تلك الحقبة، وفي مصر كلها، وجد أبوماضي، شأن بقية مجايليه من أدباء بلاد الشام، البيئة التي كانوا ينشدون. وعن هذا عبّر مطلع إحدى قصائده، ويقول: «الشرق تاجٌ ومصر منه درّته/ والشرق جيشٌ ومصر حامل العلم».
ولد أبوماضي في عائلة مسيحية لبنانية في قرية بسيطة، تلقّى فيها تعليماً محدوداً للغاية، وربما لو بقي فيها ما كان سيصبح الأديب والشاعر الذي ذاع صيته، لكن الظروف الصعبة التي علينا أن نحمدها في هذه الحال، حملته على الرحيل إلى الإسكندرية ليلتحق بعمه المقيم هناك، ويعمل في تجارة التبغ ليشاركه عمله، وليتدبر شؤون حياته، وحياة عائلته.
في الإسكندرية التقى بالأديب اللبناني أنطون الجميّل الذي كان أنشأ مع أمين تقي الدين في المدينة الحاضنة للحداثة مجلة «الزهور»، فالتقط الجميّل موهبة الشاب إيليا، ونشر له أولى قصائده، حتى أمكنه، وهو لما يزل في الثانية والعشرين من عمره، أن يُصدر ديوانه الشعري الأول «تذكار من الماضي» عام 1911، عن المطبعة المصرية، قبل أن تحمله الظروف ثانية على الرحيل إلى الولايات المتحدة، وفيها سيصبح شريكاً في تأسيس «الرابطة القلمية» مع جبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة.
ومثل سواه من أبناء تلك الرابطة، كان أبوماضي عنواناً للتسامح والأخوة بين بني البشر، وحسبنا التذكير ببيت شعره الشهير: «حرُ ومذهبُ كل حرٍ مذهبي/ ما كنتُ بالغاوي ولا المتعصب».
د. حسن مدن