من يدقق في قصص الطلاق التي تتداولها المحاكم هذه الأيام يصاب بصدمة من الأسباب والدوافع والأحداث التي تجري، والتي تثبت بما لا يدع مجالاً للشك، أن كثيراً من حديثي الزواج لا يقدر الرباط المقدس الذي يجمع بينه وبين الطرف الآخر، وبالتالي يفشل هذا الرباط في الاختبار الأول بعد أن تتضح هشاشته وأن طرفيه لم يستعدا للحياة الجديدة بقدر ما استعدا لمظاهر الزواج من احتفالات وملابس وشهر عسل، أما المحصلة النهائية فهي كارثية لم تكن في الحسبان.
كان الحديث سابقاً عن دورات مخصصة للأزواج المقبلين على حياة جديدة تؤهلهم وتعدهم من أجل العبور بحياتهم إلى بر الأمان، خاصة خلال الفترة الأولى، التي قد تبرز فيها خلافات في أسلوب الحياة يكتشفها كل طرف في الآخر، إضافة إلى عادات لم يحسب لها حساب وطرق تفكير مختلفة وبيئة ربما تسهم في زرع التفاوت والاختلاف، إضافة إلى التسرع في اتخاذ القرار ورمي يمين الطلاق بسهولة بعد أن كان هذا الأمر لدى الأجيال السابقة خطباً جللاً لا ينبغي له أن يحدث إلا بعد سلسلة من التشاور والتفكير وطلب النصح.
ترى أين ذهب هؤلاء حالياً؟ ولماذا نرى ما نرى من أحداث وتسرع كبير في الطلاق؟ ولماذا بتنا أمام ظواهر جديدة منها الطلاق في يوم الزواج نفسه؟ وهل سنحتاج أن نطلب من كل مقدم على الزواج الخضوع للتأهيل من أجل الحفاظ على هذه العلاقة وصونها من كل طارئ ربما بسيط قد يهدد استقرارها ويشتت شملها؟.. كل تلك التساؤلات إلى جانب التكافؤ المادي والاجتماعي، وتضخم الأنا والتفكير في النفس، وعدم الانسجام، وفقدان الحب، وغياب الحوار، وسرعة الانفعال، وتدخل الأهل، والعنف وتحكم الأزواج، وعدم تحمّل كل طرف مسؤولياته الزوجية، وسيطرة ثقافة الكماليات على الحياة الزوجية، وضعف الوازع الديني، والزواج بأخرى، تمثل أسباباً عامة للطلاق، لكن يبدو أن الاختلاف اليوم هو في الطريقة والتوقيت.
علينا اليوم أن نعيد النظر في تربية أبنائنا وتأهيلهم، وخاصة للمقبلين منهم على الزواج، وتذكيرهم بأن الطلاق ليس خياراً متاحاً بمجرد ضغطة زر، كلما برزت مشكلة بسيطة، حتى بات الطلاق المبكر مشكلة مؤرقة في مجتمعنا المعاصر تحدث خللاً اجتماعياً وخطراً كبيراً على الأسرة التي دعمتها الدولة بمختلف السبل والموارد وعملت لتمكينها واستقرارها عبر مبادرات متنوعة.
طلاق اليوم مختلف عن الأمس في كل التفاصيل والدوافع والآليات، لذلك علينا أن نحسن الإعداد والتربية ونركز على الجوهر في الزواج بدلا من المظهر الذي يستولي على جل الوقت والمال والتفكير، وربما يكون في أحداثه سبب كامن أو مباشر لحدوث الطلاق نفسه.