في البعد تصبح كل المشاعر متضخمة:
الفرح حين ينجح بعيدٌ في تحقيق حلم ما، الندم حين نخطئ ردة فعل تجيء بكثير من الصفاقة، الحزن على فقد أحد لم نتمكن من رؤيته أو تقبيل جبينه قبل الرحيل الأبدي، أو القلق حين يمرض أحد هو بمثابة الروح.
أن تصاب والدتي بهذا الفيروس اللعين، وأنا في بلد آخر، وهي محجورة في مستشفى لا يُسمح لنا بزيارتها حتى ولو كنت في البلد نفسه، هذا المرض جعلني أبدو كالمجنونة، كأن جبلاً عظيماً أقام على صدري منعني من التنفس، ووادياً سحيقاً انحفر في عقلي ليمنعني من التفكير. كيف لا، وهي التي كانت دائماً بالقرب، وستبقى كما هي بكامل حنانها ومشاعرها وصورتها العذبة؟
يمر شريط الذكريات أمامي، فأتساءل في كل مرة ألقاها: كيف يستطيع قلبها أن يبتسم برغم ما تعانيه؟ كيف تضحك وتمازحنا، وفي داخلها عاصفة من الألم والحزن والخيبات، فيزداد حزنها وألمها مع اضطرارها في كل مرة أن تلملم خيباتها في صندوقها الخشبي الأزرق مع ما تحتفظ به من أوراق بالية منذ وفاة والدي قبل 34 عاماً؟
ما زالت تغريني بحضنها، وما زلت أشعر بالراحة كلما قبّلتني، تماماً كطفل يطلب قبلة أمّه كي يشفى.
أحمل روحي بين يدي في كل مرة أشعر فيها بأنها متعبة، ويهلك الطفل بداخلي حين تحمل في يديها كيس الأدوية المكتنز بصفعات الأيام.
أعرف تماماً قلقها عليّ، كأنني ما زلت الطفلة ذات الأعوام الستة التي كانت تمشط جديلتها صباحاً، فترفض الزيت بحجة أنها لا تريد لشعرها أن يلمع أكثر، فتنهمر عليّ بسيل النصائح وتخشى عليّ صداعاً محتملاً حين تخلو جديلتي الطويلة من زيت اختارته بعناية.
ما زالت تمارس القلق نفسه، والخوف نفسه من كل ما قد يمسّني بضرّ، حتى إن لم يكن منطقياً.
في حضرتها يزهر الكون أمامي، وأنسى كل العثرات التي تعترضني، فأبدو أقوى، وأبتسم، ففي حياتي ملاك أقتدي به، وجيش حامٍ هو مجموعة دعوات لا يردها الله لأنها قادمة من قلب أبيض كالثلج.
كل هذي المشاعر تتراقص، تتحول مشاعر متناقضة، فأصير الأم وهي الطفلة التي أخشى عليها من هذا الألم، كلما سمعت سعالها، أو صوتها المبحوح، وتنفسها المخنوق.
هكذا تصبح المشاعر مبهمة، لكنها صارخة.. هكذا في البعد يصبح كل شيء بلا لون، أو طعم، أو رائحة، سوى رائحة القلق والخوف والترقب.
حماك الله يا أمي وحفظك من كل شرّ وداء.