لحظة الضرورة في كابول

00:45 صباحا
قراءة 3 دقائق

سليمان جودة

قال الرئيس الأفغاني السابق حامد قرضاي، إن الولايات المتحدة الأمريكية مدعوة لإعادة الأموال الأفغانية المجمدة لديها إلى الشعب الأفغاني، وإن الاحتفاظ بهذه الأموال مجمدة في خزائن أمريكا هو أمر غير عادل، بقدر ما هو أمر ظالم. 

 ومما قاله الرئيس الأفغاني السابق في مؤتمر صحفي عقده في كابول 13 فبراير/ شباط، أن الشعب الأفغاني لا يمكن أن يؤخذ بجريرة أسامة بن لادن، الذي لم يستقر في الأراضي الأفغانية إلا لفترة قصيرة، غادر من بعدها إلى الأراضي الباكستانية حيث جرى التخلص منه هناك. 

 وما يقوله قرضاي صحيح في مجمله، وهو أول كلام سياسي قوي يصدر من أفغانستان في مرحلة ما بعد خروج القوات الأمريكية منها 15 أغسطس/ آب الماضي. 

 وقد جاء حديث الرئيس الأفغاني على خلفية قرار كان الرئيس الأمريكي جو بايدن قد أصدره قبلها بيومين، عندما قرر الإفراج عن سبعة مليارات دولار من الأموال الأفغانية المجمدة.. ولكن المفارقة في قرار الرئيس الأمريكي أنه خصص نصف هذا المبلغ لتمويل عمليات الإغاثة الإنسانية في أفغانستان، بينما خصص النصف الباقي لتعويضات الأمريكيين الذين أضيروا في أحداث الحادي عشر من سبتمبر/ أيلول 2001. 

 وهكذا.. فإن الإدارة الأمريكية خصمت ما تراه حقاً لها في أموال هي في الأصل ملك للشعب الأفغاني ولا يملكها أحد سواه!.. وبالطبع فلا أحد مع ما جرى من أحداث في الحادي عشر من سبتمبر ضد أبرياء تصادف وجودهم في موقع الأحداث لحظة وقوعها، ولا أحد ضد أن يحصل المتضررون على تعويضات عما أصابهم، ولكن المشكلة أن الشعب الأفغاني لا علاقة له بهذا كله، ولم يثبت إلى الآن من التحقيقات التي جرت حول الأحداث، أن منفذيها كان بينهم أفغاني واحد. 

 وهذا ما أشار إليه بوضوح الرئيس الأفغاني السابق، الذي راح يحث إدارة بايدن على إعادة أمول مجمدة يظل بسطاء الأفغان أحوج ما يكونون إليها. 

 والمتابعون للحالة الأفغانية بعد خروج القوات الأمريكية يعرفون أن المعاناة الاقتصادية هناك وصلت حدوداً قاسية، وليس أدل على ذلك إلا تحذير الأمم المتحدة من مقرها في نيويورك قبل أسابيع، من أن 98 % من الشعب الأفغاني مهددون بالسقوط تحت خط الفقر، ما لم يسارع العالم إلى إنقاذ ما يمكن إنقاذه، وما لم يفرق هذا العالم بين شعب أفغاني لا علاقة له في أغلبيته بالتشدد، وبين حركة طالبان التي تحكمه حالياً وتراها الأغلبية من عواصم العالم حركة متشددة ولا تعترف بحكومتها بالتالي. 

 وإذا كانت حكومة الحركة مدعوة إلى شيء في هذه اللحظة، فهذا الشيء هو إظهار مرونتها السياسية في قضايا رئيسية مثل قضية حقوق المرأة، ومثل قضية حقوق الأقليات في البلاد، ومثل قضية حقوق الإنسان بوجه عام. فالمرونة في قضايا كهذه هي خطوة البداية التي ستفتح الطريق أمام اعتراف عواصم العالم بحكومة الحركة.. هي خطوة لا بد منها؛ لأنها السبيل إلى دمج البلاد في المجتمع الدولي، ثم إلى الإفراج عن الأموال والأصول المجمدة التي تحدث عنها قرضاي في مؤتمره الصحفي.

 ما أحوج الناس في أفغانستان إلى تعاطف عملي من العالم معهم، وما أحوج حكومة حركة طالبان في العاصمة كابول إلى أن تدفع في اتجاه هذا التعاطف بخطوات سياسية عملية منها، ولن يحدث هذا إلا إذا آمنت الحركة بأنه لا بديل أمامها سوى التصالح مع العصر، وأن هذا في حاجة إلى مرونة سياسية منها تمثل ضرورة حياتية لبسطاء الأفغان جميعاً دون استثناء.

[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"