مادبا.. «المأدبة» ومياه الفاكهة

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

مادبا، «33 كيلومتراً جنوب غربيّ العاصمة عمّان».. يجري الاحتفال بها الآن في المملكة عاصمة السياحة العربية للعام 2022، وفي قلب ما هو سياحي أو حتى اقتصادي هناك ما هو ثقافي في الوقت نفسه، والأردنيون أدرى بالبُعْد الثقافي لمادبا ومن أسمائها المأدبة، أما المؤابيون الذين أسّسوها كما تقول بعض المصادر التاريخية فأطلقوا عليها اسم «ميديا» وتعني «مياه الراحة»، ومادبا في مصدر آخر تعني «مياه الفاكهة» بالأصل الآرامي السرياني للكلمة، وأياً كان اسم مادبا فهي تكاد تحمل كل هذه الأسماء: المياه، والفاكهة، وحقول القمح والشعير والذرة في ستينات وسبعينات القرن العشرين، ولشدة خصوبة تلك الحقول كان القرويّون يشبّهونها بِ«كبد الطير» كناية عند احمرار تربة حقول مادبا، ولو كنت أنت شاعراً لقلت إنه إذا سقطت من جيبك بذرة قمح في مادبا لكانت عشر سنابل بعد أسبوع.
مادبا فضاء ثقافي تاريخي قبل أن تكون فضاء سياحياً محدوداً في النزهة والاستجمام، فهي مدينة تاريخ وذاكرة دينية وفلّاحية وأنثربولوجية، ولا توجد في العالم مدينة مرتبطة بفن الفسيفساء وخرائطها وتوثيقها المعتقدي والجمالي مثل مادبا، إلى جانب فكرة التعايش الديني الفطري بين المسيحيين والمسلمين في المدينة التي تكثر فيها الكنائس، وسكنتها عشائر مؤابية مسيحية وأضفت على المدينة طابعاً معمارياً يتصل بجماليات الأديرة والكنائس، ومع ذلك كان المسلمون ينظرون إلى نموذج هذا التلاقي الاجتماعي والديني على أنه ميزة لثقافتهم وميزة ثانية لمدينتهم العريقة، وربما، ما من مدينة في الأردن عرفت حضارات وثقافات وشعوباً أو قوميات مثلما عرفت مادبا من البيزنطيين والأشوريين، والأنباط، والرومان والغساسنة إلى عمر بن الخطاب الذي تذكر بعض المصادر أنه مرّ بمادبا في طريقه إلى القدس، لكن من أكثر امتيازات مادبا أن ذاكرتها الجغرافية تفخر بما يسمى «طريق الملوك» التي كانت تصل مصر بالشام.
أكتب لك عن مادبا بعاطفة مادبوية بالضرورة. اكتب عن «مادباي»، فقد ولدت في أطراف مدينة الفسيفساء تلك. تحت جبل نيبو هناك ولدت بالقرب من عيون موسى. أعرف المكان كما أعرف أمي. من حسبان إلى أم الرصاص إلى ماعين إلى كفير الوخيان الذي أصبح الفيصلية إلى أصدقائي، وهؤلاء أنجبتهم مادبا ليصبحوا علامات أدبية وثقافية في الأردن: يوسف غيشان الذي أقنع الأردنيين على إمكانية الضحك في الصباح عن طريق شيء اسمه: الكتابة الساخرة، المسيحي الطيب، صديقي، الذي أكلت في بيته الزيتون والمكدوس، والرائع غالب هلسا الذي عرفته في دمشق في العام ١٩٨٦ إن لم تخن الذاكرة، وأجريت معه حواراً صحفياً مطوّلاً عرفت من خلال السؤال والجواب كم كان طفلاً في قامة رجل بجسد جنرال.. ومادبا أيضاً سالم النحاس، الجميل الوسيم هو الآخر. الأيديولوجي أو السياسي كما بدا لي غصباً عنه لكثرة ما فيه من شعر، وجلال برجس صاحب رواية «دفاتر الورّاق» المادبوي الأسمر والبدوي الطيب. حامل القلم النبيل.
وّراقون كثر في مادبا.. أدباء، وصحفيون، ومؤرخون، وفنّانون تماماً مثل مدينتهم.. مياه.. وفاكهة.. وقمح.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"