روح الخط الشابة

00:03 صباحا
قراءة دقيقتين

يلفت انتباه متابعي الدورة العاشرة من ملتقى الشارقة للخط أن أغلبية فنّاني الدورة من الشباب، القليل منهم في الخمسين من أعمارهم، والكثرة في الثلاثين والأربعين. واللّافت أيضاً قلّة عدد الخطّاطات بالنسبة إلى الخطّاطين، أما المدهش في المهرجان فهي تجارب فنانين ليسوا عرباً مولعين بالخط العربي ويبحثون عنه، ويسافرون من أجل دراسته، وما هو السرّ؟ السر في الحرف العربي وفي روحه ومرونته وإيقاعاته واستجابته التلقائية للتشكيل أو التشكيلات التي تنتجها أنواع الخط من طاقة تشكيلية، أو حروفية أو جمالية في هذه الحروف العبقرية التي يحوّلها رسم الخطاط إلى أعمال فنية لها أبعاد إبداعية، وثقافية، وروحية.
قبل أيّام كتبت مادة موسعة في الملف الثقافي في جريدتنا «الخليج» حول رسم الحرف العربي، وأن الخطاط ليس كاتباً بل هو رسام للحرف العربي في أكثر من صورة وأكثر من تشكيل.
ولكن، ما الرابط الممكن الإشارة إليه ثقافياً بين أعمار الخطاطين الشابة، وبين الخط؟ هنا يمكن القول، اجتهاداً وربما علمياً أو ثقافياً، إن الخطاط الشاب يحمل في داخله تحدياً إيجابياً، إن أمكن القول، يتمثل في كونه يستطيع أن يكون خطاطاً مثله مثل الكبار من الخطاطين عمراً وقيمة إبداعية.
ارتبط فن الخط في ذاكرتنا الذهنية بالكبار في العمر. إنهم نسّاخون مكتهلون، وربما كانوا شيوخ زوايا دينية، أو أنهم أزهريون قدامى، أو أنهم متصوّفة كبار، أو أنهم لغويون أو معجميون لا يُشق لهم غبار..
هذه هي الصورة النمطية المتداولة أحياناً، بل كثيراً، عن الخطاط العربي وغير العربي، والآن، يأتي الخطّاط الشاب بكل بساطة ليقلب هذه الصورة، مع أنها صورة ليست سيئة في كل الأحوال. إنها صورة الخطاط الرصين الرزين، المؤدِّب والمعلم والأستاذ، لكن هذه الصورة لم تعزل الفنان الشاب عن ثقافة الخط التي هي في الجوهر ثقافة كلاسيكية. ثقافة مرجعية بكلمة ثانية تتصل روحياً وجوهرياً باللغة العربية وثقافتها وآدابها الحيّة.
من المبهج حقاً أن تنجب ثقافتنا العربية خطاطين شباباً من الجنسين في زمن توحش الثقافة الرقمية، وبالمناسبة، ما أسهل صناعة خط ما بارد، خط آلي، لا روح فيه يولد من أزرار ووصلات الكمبيوتر الكهربائية.
الخطاط الشاب، والخطّاطة الشابة إلى خمسينيين وستينيين مبدعين أصلاء، هي الصورة الطيبة الرائعة التي تحتفي بها رؤيتنا البصرية، وأيضاً رؤيتنا الثقافية في مهرجان الحرف والريشة والحبر، والأرواح النقية النورانية كما هي، تماماً، أنوار الشارقة.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"