.. هو أيضاً زلزال المعجزات، شاب تركي في نحو الثلاثين من عمره يجري إخراجه من بين الردم والعتم وقلّة الهواء، بعد اثني عشر يوماً على «قيامة الأرض الأولى». أكثر من 261 ساعة متواصلة في القبر الأرضي الغاضب على البشر والشجر والحجر، أوّل ما قاله الشاب سؤاله عن والده: هل والدي حيّ؟ ويأتيه الجواب من العائلة: الجميع بخير.
***
حرّك الزلزال قشرة الأرض إلى أكثر من 7 أمتار بحسب ما قالت وسائل الإعلام، غير أن الأخبار لم تقل أو لم تشر إلى هؤلاء الذين رصدوا وعاينوا حركة القشرة الأرضية، وما إذا كانت تحرّكت إلى الشمال أم إلى الجنوب، أو الشرق أو الغرب، ثم من هم؟.. هل هم جيولوجيون، أم علماء تربة وصخور، أم علماء بيئة؟ وفي بداية الزلزال أشير في الأخبار أيضاً إلى ما سمّاه الإعلاميون «لبّ الأرض»، فإذن عرف الإنسان أخيراً أين هو مكان لبّ الكوكب الذي يعيش عليه: (جنوب تركيا وشمال غربي سوريا): فكرة شعرية بامتياز «اللب»، وبمعنى ما «العقل»، وبمعنى آخر «السرّة».. سرّة الأرض، ولا يهم الباقي.
والمعرفة دائماً لها ثمن 36 ألف قتيل على الأقل، والعدّاد دوّار ويحسب، وكم من المعجزات تحمل الليالي والأيام، وكم من الشعراء الذين سيغيّرون فهمهم لفكرة الأسطورة، وأخيراً ما الأقوى وأكثر إيقاعاً وإيلاماً.. المعجزة.. أم الأسطورة؟
***
أسماء جميلة بثّها الزلزال في الأرض: باب الهَوى، وخان الوزير، وباب أنطاكية، وقلعة حلب، ومنارة الجامع الأموي، ولكنني لهوى شعري توقفت عند باب الهَوى. أليس في هذا الباب ما يحيلك إلى ما هو صوفيّ أو وجدي أو وجداني؟
أياً كانت الإحالة اللغوية والفكرية والروحية، فثمة ما انتهى إلى تراب وأسلاك وردم وطوب وغبار. كل شيء معجزة وأسطورة. وفي الوقت نفسه، كل شيء مرثية ومأساة. كلنا تحت الأرض: الصوفي والأيديولوجي، والنظامي والمعارض، «الثورجي» و«البلطجي»، والطيّب و«الشبّيح»، والمذهبي والطائفي إلى جانب الأممي والإنساني.. كلنا تحت الأرض لا فوقها، ولعل في ذلك حكمة: فوق الأرض: صراع وقتل وتعصّب وجنون، وتحت الأرض: سكينة وصمت وهدوء.
***
ليتنا ترضى أمّنا الأرض عنا، وتهدأ قليلاً بين القشرة و«اللبّ».
بين العتم وبين الضوء، حين الإنسان في حدّ ذاته معجزة.. في حدّ ذاته أعجوبة.