لم يكن قرار مدعي عام المحكمة الجنائية الدولية أوكامبو بحق الرئيس السوداني مفاجئاً، فقد جرى التمهيد له خلال العام الماضي منذ تمت إحالة قضية دارفور من مجلس الأمن الى المحكمة الجنائية الدولية في لاهاي التي أنشئت وفق ما عرف باتفاق روما. وسبق للمدعي العام البرازيلي الجنسية، أن أعلن أن المطالبة بتسليم الرئيس البشير مطروحة ومرتقبة.
بعيداً عن الجوانب القانونية الدقيقة لهذه القضية، فإن المفارقة تكمن في أن هذا الحكم قد صدر وجرى التمهيد له في وقت كان فيه الجهد منصباً على حل قضية إقليم دارفور. حلول القوات الدولية الإفريقية والغربية (قوات حفظ السلام) جاء ثمرة لهذه الجهود. الخرطوم مانعت في البداية لكن دخول الاتحاد الإفريقي (55 دولة) طرفاً حمل الخرطوم على الموافقة. وبالتالي فإن القرار القضائي يأتي متعاكساً أو مفترقاً، عن الوضع السياسي القائم حيث الأنظار متجهة لوضع الحلول واستكمال ما بدىء به.
في واقع الحال إن مثل هذا الأمر، هو ما حمل الولايات المتحدة ودولاً أوروبية، ومنذ أمد بعيد على إعفاء الدولة العبرية من أية محاسبة، وعدم تحميلها أية مسؤولية على ما تقترفه هذه الدولة من جرائم بحق شعب رازح تحت الاحتلال. فقد جرى استغلال وجود مفاوضات وما كان يسمى بعملية سلمية، حتى عندما يتم تجميدها لسنين طويلة، للخروج باستخلاص يفيد أن الأولوية هي لصنع السلام وتشجيع الأطراف على مواصلة التفاوض، وليس لأي أمر آخر مثل محاسبة المعتدين.
قبل أسابيع كانت الدوحة تشهد سلسلة من مفاوضات بين الأطراف السودانية المتنازعة، وتوصلت لما عرف باتفاق الدوحة.
القرار القضائي يضرب صفحاً عن ذلك. ويقفز عن كون هذا القرار غير قابل للانعكاس إيجاباً على الوضع في غرب السودان. فذلك يعني ببساطة تحفيز المتمردين أو المعارضين المسلحين أو أياً كانت تسميتهم، على رفض الحلول السياسية والاحتكام مجدداً الى العنف وحده، تحت غطاء أن الطرف الآخر (الحكومي) مدان، فتجوز مناوأته بالصورة التي يشاؤها هؤلاء. ولو أدى ذلك إلى ايذاء القوات الدولية هناك، وعلى الأقل عرقلة عملها. فضلاً عن حرمان أهل الإقليم: نحو ستة ملايين نسمة من آمال السلام. وهو موقف تتحدث به هيئات إقليمية كبيرة مثل الاتحاد الإفريقي ومنظمة المؤتمر الإسلامي والجامعة العربية، وتضم هذه الهيئات زهاء نصف دول العالم، فضلاً عن الموقف المعارض الذي تتخذه كل من الصين وروسيا في مجلس الأمن ودول أخرى في عالمنا.
هذه هي المفارقة الرئيسة في قرار قضائي يتدخل في نزاع تجري جهود سياسية لمعالجته. أما المفارقات الأخرى فتكمن في مكان آخر. فقد تولت مصر طرح موقف يقوم على تأجيل تنفيذ القرار لمدة عام قابل للتمديد. بدا هذا الموقف في نظر كثيرين غريباً، إذ تعامل مع القرار قبل أن يصدر باعتباره نافذاً ومقبولاً، وجل المراد هو تأجيل تنفيذه ليس إلا.
غير أن الدهشة حيال هذا الموقف لا تلبث أن تنحسر لدى ملاحظة، أن الجانب السوداني كان يحبذ هذا الرأي بل اعتمده، فقد صرح المندوب السوداني لدى الأمم المتحدة عبدالمحمود عبدالعليم الخميس الخامس من مارس/ آذار الجاري، بأن بلاده قررت التخلي عن مطالبتها بتأجيل تنفيذ القرار وباتت تدعو للتخلي عنه. مغزى ذلك أن تكتيك تأجيل التنفيذ كان معتمداً لدى الخرطوم، وذلك وفق البند 16 في اتفاقية روما، التي أنشئت المحكمة بموجبها. وهو ما يفسر الموقف المصري، حيث لم يكن ممكناً أن يكون المصريون سودانيين أكثر من السودانيين أنفسهم. على أن هذا التكتيك لم يكن مفيداً في النتيجة خاصة أن التأجيل وفق الاتفاقية يظل مشروطاً بموافقة مجلس الأمن. فالموقف الذي كان يتعين اعتماده منذ البدء، هو أن الأولوية الحاسمة هي لإحلال السلام في الإقليم وليس لأية مسألة اخرى. وكان يمكن اجتذاب تأييد كبير لهذا الموقف خاصة إذا اقترن ببذل جهود فعلية للتسوية الداخلية.
مع ذلك فإن ضغوط الاتحاد الإفريقي قابلة لأن تثمر، وخاصة حين تخرج المشكلة من النطاق السوداني المنفرد الى الإطار القاري (55 دولة). ومن الواضح أن جهود هذا الاتحاد مرشحة للنجاح أكثر من جهد الجامعة العربية. وذلك لما للغرب من مصالح وعلاقات متشابكة مع الدول الإفريقية، ومن بينها ست دول عربية.
يبقى من المفارقات أن الخرطوم سارعت لاتخاذ قرارات بطرد 13 منظمة إنسانية غير حكومية من البلاد، من بينها منظمة أطباء بلا حدود. وهو قرار غير مفهوم وخاصة بصفته الشاملة هذه لجميع المنظمات الأجنبية بغير تمييز. وهو ما حمل أمين عام الأمم المتحدة على استغراب صدور القرار. وقد كان من الواجب عدم توجيه المشكلة في اتجاه تبدو معه الخرطوم في نزاع مع مثل هذه المنظمات وما تمثله على صعيد عالمي. خلافاً لذلك كان وما زال من مصلحة السودان إبداء الاستعداد للتعاون مع أية منظمة إنسانية غير مسيسة، علماً بأنه ليس هناك بديل محلي لها، وإلا لملأت المنظمات السودانية أو العربية أو الإفريقية هذا الفراغ، ولبت حاجات السكان منذ مطلع الألفية الثالثة مع تفجر قضية الإقليم.