هذا كتاب نحن مدينون في وجوده للألمان، خصوصاً أن المحقق، محمد مصطفى، آثر أن يذكر الجهات التي أسهمت في تيسيره وإعداده للنشر، ثم طباعته، ومن هذه الجهات: «الجمعية الألمانية للأبحاث العلمية، وزارة الأبحاث العلمية والتكنولوجية في ألمانيا الاتحادية، ومؤسسة جردا هنكل الموقوفة»، إضافة إلى عدد من الأساتذة الألمان، يقول في مقدمته: «كلفتني جمعية المستشرقين الألمانية بأن أحقق وأنشر الطبعة الثانية للأجزاء الثالث والرابع والخامس، من كتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور لأبي البركات الناصري، محمد بن أحمد بن إياس الحنفي، فبدأت في نشر الجزء الرابع، لأنه ينقص تماماً في طبعة بولاق، وهو يشمل أخبار السنوات من 906 إلى 921 هجرية (1501 - 1515 ميلادية)، ويقع في أكثر من 492 صفحة، وطبع في القاهرة سنة 1379 هجرية (1960 ميلادية)».
كان الراحل جمال الغيطاني، قد أعاد طباعة الكتاب بتحقيق محمد مصطفى في سلسلة الذخائر، مع مقدمة تبين أهمية الكتاب، الذي استفاد منه الغيطاني في روايته «الزيني بركات» فهذا الكتاب «بدائع الزهور في وقائع الدهور» يمثل «رؤية مغايرة لفن السرد، وفهم أدق لأهلي من المصريين» على حد تعبيره، وقد تكشفت له آفاق شتى منذ أن قرأ أحد أجزائه في طبعة بولاق ثم قرأه مرة أخرى صادراً عن دار الشعب، يقول: «كنت أنقب عنه وأبحث وأجد صعوبة في ذلك، إذ كانت الطبعة تتم في مصر لحساب جمعية المستشرقين الألمان، نسخ قليلة كانت تجد طريقها إلى السوق في مصر، لذلك ظل الكتاب محصوراً في دائرة محدودة من أهل التخصص».
كان مقدراً على ابن إياس أن يفتح كتابه يوم السبت 16 من شعبان عام 922 هجرية، في ذلك الزمن المضطرب، كان يستعد ليضيف إلى أحداثه أخطر ما سيدونه، كان يشهد هذه الأيام غير العادية، التي تقرر فيها المصائر، وتتحول حياة الشعوب، لقد جاءته الأخبار بعد انقطاع، بما جرى في مرج دابق شمال حلب، حيث دارت الدائرة على جنود السلطان الأشرف قنصوه الغوري، قتل من قتل وفر من فر، ومات السلطان بعد أن بح صوته وهو ينادي عساكره.
وهنا يسرد ابن إياس الوقائع كما تحقق منها، وكيف اصطف الجيشان؟ وكيف هزم العثمانيون أول الأمر؟ غير أن الخيانة أطلت برأسها من خلال «خاير بك» أو «خاين بك» ما جعل الدائرة تدور على جيش السلطان الغوري.
كان ينتظر بصبر المؤرخ مجيء الأخبار، ليبقى كتابه الضخم الذي تزيد صفحاته على 3 آلاف صفحة، منقذاً لفترة زمنية تزيد على 30 سنة، شاهدها المؤلف يوماً بيوم، فالكتاب نابض بمحبة هذه البلاد، رغم أن ابن إياس يمتلك أصولاً غير مصرية، وكان ينتمي إلى ما يعرف آنذاك بطبقة «أولاد الناس» الذين كانوا يعيشون بعيداً عن الصراع على السلطة، ويمكن القول إنهم كانوا يعيشون على هامش المجتمع المملوكي الحاكم، لهذا كانوا قريبين إلى المجتمع المصري بطبقاته المتوسطة والفقيرة، وأصبح ابن إياس بهذا الوضع قريباً من الهموم اليومية لرجل الشارع، معايشاً لها.
تنبض صفحات ابن إياس بأحداث الحياة اليومية المصرية، خاصة في الفترة التي عايشها، ويحتوي الكتاب على مرحلتين، الأولى ينقل فيها ابن إياس عن كتب المؤرخين السابقين، مع صياغة الأحداث بأسلوبه الخاص، ثم ينتقل من الاعتماد على كتب السابقين إلى مرحلة الاعتماد على المعاينة والمشاهدة، ويبدو هذا الانتقال واضحاً حين بلغ العشرين من عمره، ولم يكن يورد الخبر أو الواقعة بروح باردة، أو يكتفي بالتدوين، بل كان يبادر بالتعليق، وتبرز روح النقد بشدة عنده، بعد غزو العثمانيين لمصر، لقد اهتزت روحه بما جرى في أواخر عمره، ولم يكتف بمهاجمة العثمانيين، إنما قاطع احتفالاتهم وأعيادهم، وكان أشد ما آلمه الخراب الذي حاق بالفلاحين، وجعلهم يهجرون أرضهم، وتحول مصر من سلطنة تحمي البحرين والحرمين، إلى ولاية يعين حاكمها من إسطنبول.