"بُشرى" استئناف التفاوض

05:07 صباحا
قراءة 4 دقائق

سواء استؤنفت المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، فمن الواضح أن الظروف التي تتم فيها غير مواتية، والأسوأ من ذلك أن الرسائل المبثوثة حيالها من الجانب الفلسطيني خاطئة .

في الظروف غير الملائمة، يبرز رفض حكومة نتنياهو التسليم باستحقاقات تسوية جدية، فالدولة الفلسطينية التي يقبلون بها منزوعة من كل سلاح غير سلاح الشرطة، ولا تشمل القدس ومحيطها، ولا السيادة على الحدود البرية وتالياً الجوية، وتضمن بقاء مستوطنات كبيرة .

والمفاوضات كجاري العادة الإسرائيلية: لا مرجعية لها، ولا إشراف دولياً عليها، ومن دون سقف زمني لانتهائها . هناك حقاً سيناريوهات أمريكية تجيب عن بعض ما سبق كتحديد سقف سنتين لانتهاء التفاوض، لكنه ليس من دأب تل أبيب التقيد بسيناريوهات الآخرين حتى لو كان هؤلاء هم الحلفاء . وآخر مثال على ذلك مؤتمر انابوليس في الولايات المتحدة الذي دعا لوقف الاستيطان . وكذلك تعهدات بوش مرتين بإقامة الدولة الفلسطينية في تواريخ محددة أولها العام 5002 . من الصحيح أن بوش لم يكن شخصاً موثوقاً يُعتد بتعهداته، غير أن الجانب الآخر في الأمر أن تل أبيب لم تكن لتنصاع له، حين يتعارض ذلك مع أطماعها التوسعية .

فإذا استؤنفت المفاوضات ولو كانت غير مباشرة في هذه الظروف، فسوف يؤدي ذلك الى مزيد من الاسترخاء وإشاعة انطباعات مضللة بأن الوضع السياسي يسير على سكة صحيحة، وأنه لا خطر يُذكر من التمادي في الغزو الاستيطاني، فالتفاوض سوف يضع حلاً لكل المشكلات العالقة، وما على من ينتابهم القلق سوى التحلي بالصبر والاعتصام بالانتظار .

من الواضح ان هناك ضغوطاً امريكية وربما بعض الضغوط العربية أيضاً، لحمل الجانب الفلسطيني على معاودة التفاوض، غير أن بوسع الطرف المعني التمسك بموقف صائب قوامه أنه ليس من المغالاة مطالبة الادارة الامريكية، بأن تحترم التعهدات التي بادرت بإطلاقها لجهة اعتبار وقف الاستيطان، شرطاً لإحياء ما كانت تسمى عملية سلمية . والتأكيد خلال ذلك على أن التفاوض ليس هدفاً بل وسيلة بين وسائل أخرى لاستعادة الحقوق، وما دامت هذه الوسيلة غير ناجعة في الظروف الحالية بل تنطوي على أضرار مؤكدة، فمن الأسلم تفاديها في هذه المرحلة .

غير أن الطبع غالب كما يقال . فالرئيس عباس لا يخفق قلبه لشيء مثل المفاوضات . ورئيس دائرة المفاوضات في السلطة صائب عريقات، برغم أنه وصف حصيلة المفاوضات مع حكومات كاديما والليكود بأنها صفر، إلا أنه لا يتوانى عن القول ان المفاوضات حياة كما في عنوان كتاب له .

يفسر الرئيس عباس جنوحه مجدداً لمفاوضات عبثية بأنها من قبيل حفظ ماء وجه الأمريكيين، الذين وعدوا انفسهم ووعدوا العالم باستئناف انطلاق القطار مجدداً . بهذا فإن رئيس السلطة بعدما فرغ من حل مشكلات شعبه، فها هو يتطوع لحل مشكلات الدولة العظمى ورفع الحرج عنها، ومنها مشكلة التناقض بين الخطاب والأداء السياسي لإدارة هذه الدولة .

الأغرب من ذلك هي أفانين المطالبات مرة بوقف مؤقت للاستيطان، ومرة بأن تعمد حكومة نتنياهو لاتخاذ قرار سري بهذا الشأن، لتفادي ردود أفعال عتاة المستوطنين ومؤيديهم من الأحزاب . الدعوة لوقف مؤقت تضمر قبولاً أو تسليماً باستيطان دائم لكن ليس في هذا الوقت، ليس في هذا الظرف الذي نتأهب فيه لاستئناف التفاوض . أما القرار السري الذي دعا عباس حكومة تل أبيب لاتخاذه، فينطوي على تهيب شديد من رأي عام إسرائيلي، أما الرأي العام الفلسطيني فلا وجود له .

هكذا في المرة الأولى يتم أخذ خاطر الإدارة الأمريكية في الاعتبار، وفي المرة الثانية يتم تفادي حنق الرأي العام للعدو . أما الاعتبارات الوطنية الذاتية التي يُفترض أن تكون المحرك الأول والمحدد الأعظم، فلا اعتبار لها . وبينما تتجه واشنطن للرضى عن المؤشرات الأولى لكن المتزايدة لتجاوب رئيس السلطة، فإن تل أبيب لا تعِدُ بشيء . . لا مؤقت ولا سري ولا خلافهما . تعِدُ فقط بهذا الخصوص بضم مستوطنات كبيرة الى كيانها . وفي هذه الأجواء المثالية تزداد التوقعات باستئناف مفاوضات تبدأ بصورة غير مباشرة . وبينما يتشكك أركان في السلطة في حركة فتح بالذات بجدواها، فإن التحضيرات لها تتم ويحدو القابلين بها كما يبدو شعور بأنها سوف تضع حداً لبطالة سياسية تشهدها السلطة، وليست جولات الرئيس في مشارق الأرض ومغاربها، والتي ما أن تنتهي واحدة منها حتى تبدأ أخرى، سوى أحد الشواهد الدالة عليها . غير أن المستجيبين لتجديد تفاوض عبثي، يقفزون عن آثار مدمرة لهذا الإجراء، ومن هذه الآثار الانقسام حتى في الصف الواحد الذي تتشكل منه منظمة التحرير، ناهيك بفصائل خارجها . وما يحققه العدو من كسب المزيد من الوقت لتكريس الوقائع على الأرض .

مع ملاحظة أخيرة وهي إخفاق السلطة في تحديد حلقة مركزية لجهدها . فبينما لا يغفل كل من له عينان بأن التفاوض في هذه المرحلة لا أولوية له، فإنه يتم التغافل عن كون الاستيطان وأعمال التنكيل الجماعية، هو ما يستحق أن يكون مدار الاهتمام كقضية ذات استقلال نسبي عن المفاوضات، وأن لا مفاوضات ذات معنى مع تواصل تلك الممارسات .

عن الكاتب

كاتب ومعلق سياسي، قاص وروائي أردني-فلسطيني، يقيم في عمّان وقد أمضى شطرا من حياته في بيروت والكويت، مزاولاً مهنة الصحافة. ترجمت مختارات من قصصه إلى البلغارية والإيطالية والإنجليزية والفرنسية

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"