العراق في محكمة الزمن

04:06 صباحا
قراءة 4 دقائق

بعد اللقاءات والمفاوضات في البيت الأبيض بين الرئيس الأمريكي باراك أوباما ورئيس وزراء العراق نوري المالكي يوم الاثنين الماضي، قال المالكي إن كل الأمور في العراق انتهت بنجاح وانتقد الذين عارضوا الانسحاب الأمريكي أو قالوا إن الفوضى ستعم العراق، في حين أكد أوباما أن التاريخ سيحكم على قرار غزو العراق في 2003 .

يفترض أن العراق صار الآن دولة حرة وديمقراطية وفيه قضاء مستقل وشفافية، مع أن الجميع يدرك أن علاقة أرض العراق بإنسانها علاقة جدلية تتسم بالصراع الدائم بينهما ولحظات الغيوم تفوق كثيراً لحظات الصحوّ، وترتكز هذه العلاقة على ثلاثة محاور أساسية أولها الحرب وثانيها وثالثها المذهبية والطائفية، وهما نتاج الموروثات وانحراف المنطلقات والأجواء التي خلفتها الحرب .

فكما لعب المستعمر من قبل على وتر الطائفية والمذهبية، أتت السلطة المستبدة لتستخدم نفس الأوتار وبصورة أشد وأقسى . ويدفع البسطاء والعوام الثمن غالياً من دمائهم واستقرارهم، فهم وقود تلك الصراعات والانقسامات، فسريعاً ما يُعبأون، ويجيشون ويقدمون أرواحهم قرباناً لهذه الانقسامات المقيتة، والنتيجة آلاف القتلى والجرحى، ومثلهم من الأرامل والثكالى، وأضعافهم من اليتامى والمشردين .

وتتجلى صور الأحداث والأحزان على الأموات الذين كانوا يُساقون إلى المعارك،ويُحملون إلى المقابر، وصورة الموت شاخصة أمام أبصارهم والحزن ينشر ظله في كل مكان، حتى أصبح أهل العراق كركاب السفينة التي تواجه الأعاصير من كل مكان، في بحار متلاطمة الأمواج، لاتتجاوز موجة إلا لتصطدم بموجة أشد ضراوة وأقسى مرارة، يبحثون عن شاطئ الأمان وكأنهم يبحثون عن المستحيل، يتطلعون بلهفة إلى رؤية اليابسة والأمن والأمان للأرض التي نقش الإنسان عليها وجوده واحتضنت حياته .

يعاود شريط الذكريات المريرة بغداد، وما أدراك ما بغداد، مجدداً مليئاً بالحزن والقلق والمعاناة، يستعيد ما مرَّ بها من مآسٍ مريرة، الحزن فيها ظاهر والأوجاع تعلوها عذاباتٌ وآلامٌ وقتامة الدروب، ومازال الدم فيها يجري بغزارة تتعدى غزارة نهر دجلة محموماً في جنون التجاوز إلى وحشية القادم وبشاعة المجهول، في بيانات وسجلات سريالية تعلو على الحقيقة الظاهرة، مرثية حزينة تعيسة حيث الغائب لا يُعرف مكانه والمفقود لا تُرجى عودته، وصراع دائم بين الموت والحياة .

إن مستقبل كل أمة هو ثمار غرس حاضرها، فإذا كان الحاضر مشوشاً وقاتماً جاء المستقبل أكثر قتامة يحمل بذور الماضي بكل آهاته المادية والشعورية، وتشظياتها النفسية من ماضيه الممزق نتيجة السياسات القمعية، وسلسلة من المخالفات الكبرى الشنيعة بين الأمة والسلطة التي كانت معرضة دائماً للتدمير والتحولات الراديكالية التي برزت على السطح ممثلة في نظام ترجم ذلك الماضي في سلوكه الداخلي والخارجي، نظام أدمن القتل بشتى صوره المريعة، وعرّض سياسة بلاده ومستقبلها للمخاطر، وامتهن الشعب وأذله، وتسبب في انسداد أوردة الحياة في جسد شعبه وأمته، وجعل من الثورية الحزبية وسيلة للحفاظ على السلطة بأي وسيلة كانت، لقد اختُصرت الأمة كلها في شخص الزعيم، وتحولت الدولة إلى حزب صغير، تعلوه المصالح الفئوية الضيقة، فتعرّضت أرض الرافدين إلى أشد النكبات السياسية والاجتماعية والاقتصادية، فشربت أرض الحضارة والعراقة على أيدي أشباه الزعماء مرارة النكسات والهزائم العسكرية، واستُنزِفت حيويتها، وأُهدِرت طاقتها المادية والعلمية والعسكرية والفكرية في صراعات دموية أودت بخيرة شباب الأمة، وجرّت الويلات على الأمة العربية وفي القلب منها الشعب العراقي نفسه .

لقد رفض الاستبداد الاستماع لصوت الحكمة والعقل، وخاض غمار حرب خاصة به، ودمر كل شيء حوله غير عابئ بالإنسانية المعذبة من حوله، ومارس من العناد الذي لا يقاوم في رفضه رؤية العلاقة التي تربط بين ذاته وأعماله . هذا الفصام، الذي لا يلتئم كذلك، هو حال الرئيس العراقي السابق وحقيقة وعيه الزائف، وجوهر ذلك في صعوده إلى هرم السلطة ليجعل من هذا التناقض الذي أُسس على قاعدة من سقوطه في زيف الصورة التي رسمها لنفسه دفعه للخروج عن المألوف، ومارس كل أنواع السلوكيات السالبة، واعتمد في منطقها مزيجاً غريباً من الفوضوية والضبابية داخل إطار القومية الانتزاعية، وبذلك عطل مسيرة العروبة على درب الوحدة والحرية والعدل الاجتماعي، وقلص الطموحات القومية، والتطلعات الإنسانية التي تبنتها حقبة مشرفة تميزت بالشرفاء من القادة الذين قادوا الجماهير العربية في كفاحها في سبيل الاستقلال، والتحرر من الاستعمار الأجنبي حتى دخل العراق مرحلة المراهقة السياسية والعسكرية حيث عانى الشعب العراقي منذ ذلك التاريخ، ومازال يعاني حتى اليوم من زوابعها الفوضوية، ولم يعد يُسمع في جنبات بلاد الرافدين سوى صرخات مبحوحة يلتهمها الصمت، وأشباح يبتلعها الظلام، ولم يعد ثمة قواعد اليوم للممارسة السياسية سوى تلك التي تعبر عن التلاشي والطائفية، والارتداد السلبي داخل بنيته العميقة، والظاهرة في العشائرية والطائفية التي تعبر عن التلاشي والقسوة بهدف محو الوطن، ونزع الإنسان العراقي من أصوله وموروثاته وماضيه العريق، بالإضافة إلى انشغاله بفكرة المطاردة والقهر في تقاطع الوعي بما يعيشه من فوضى مرعبة في أغوار اللاوعي .

والفاجعة تتوالى بمنظومة من المقموعات والمكبوتات ومكونات الضجيعة والانكسار والإجهاض والصراعات كمشروع لا يفتأ يؤسس كل يوم للعنف، ورسم الموت خارج دائرة الواقعية والارتداد الأليم عن الأمل والهدفية إلى الكآبة والاغتراب في متاهات الفراغ . وآخر هذه المتاهات تدمير موارد الدولة عندما تم تفجير أنابيب النفط، والتزايد المستمر لضحايا الانفجارات اليومية التي تستهدف مواقع متفرقة في العراق .

ختاماً متى تنشر الشمس أشعتها في العراق لتجفف أنهار الدماء، وتجمد الدموع في المقل؟ أما آن الأوان لاقتلاع الحقد والخداع؟ متى يستعيد العراق دوره الحضاري والعروبي؟ ليت عقلاء الشعب العراقي الذين قاوموا الظلم والاستبداد، يتكاتفون لاسترداد مكانة العراق، متعالين على الطائفية والقومية والمذهبية، فالعراق للجميع، ولن ينهض إلا بأبنائه المخلصين مهما كان انتماؤهم، فليكن انتماؤنا الأول للعراق مهد الحضارة والعلوم والفنون .

* كاتب من الإمارات

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي وكاتب إماراتي، يشغل منصب المستشار الإعلامي لنائب رئيس مجلس الوزراء في الإمارات. نشر عدداً من المؤلفات في القصة والرواية والتاريخ. وكان عضو اللجنة الدائمة للإعلام العربي في جامعة الدول العربية، وعضو المجموعة العربية والشرق أوسطية لعلوم الفضاء في الولايات المتحدة الأمريكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"