عبد الإله بلقزيز
تتعدد وجوه العنف الاجتماعي ودرجاته تبعاً للشروط التي يقع فيها، والأجسامِ المجتمعيّة التي يقع عليها، وهو، لهذا السّبب الذي يتعدّد به، يتفاوت درجاتٍ وتأثيراً وإيذاءً، ربّما تبدَّى أمرُه في شكلِ عنفٍ مغلَّفٍ بفكرة الواجب على نحوٍ لا يثير الكثير من الاشمئزاز أو الاستنكار، على الأقلّ في المجتمعات التّقليديّة أو المحافِظة، وتلك، مثلاً، حالُ العنف الأُسْريّ «خاصّة عنف الآباء تجاه الأبناء» أو العنف المدرسيّ، اللّذيْن يُنْظَر إليهما، في تلك البيئات التّقليديّة، بوصفهما من أساسات التربية والتّنشئة ومن أَفْعل أدواتهما، وهُمَا وقلّما كانا موضوع استهجان.
وربّما تَتَبدّى في صورةِ عنفٍ موضعيّ محدود، من النّوع الذي يحصل في المنازعات بين الأفراد ينتقل الخلاف فيها من تَلاَسنٍ بين فرديْن أو أكثر إلى اشتباكٍ وعِراكٍ بالأيدي أو بأدوات الإيذاء الأخرى.
كما يمكن العنفَ أن يَتَبدّى، من وجهٍ ثالث، في شكل اعتداءٍ هادفٍ إلى انتزاع مَتَاعٍ أو مالٍ أو ما في معناهما من الشّخص الذي يقع عليه فعْلُ العدوان، وذلك عيْنُ ما يحصل في الحوادث التي هي، في التّعريف القانونيّ لها، داخلةٌ في أصناف الجرائم، هذا عدا عن أنواعٍ أخرى من العنف الاجتماعي شبيهة بهذه التي أشرنا إليها أو متفرّعة منها، والتي لا يَعْرَى منها مجتمعٌ من المجتمعات الإنسانيّة، حتّى تلك التي يسود فيها حكمُ القانون.
الأنواع المومأ إليها أعلاهُ من العنف هي الأوسع انتشاراً في المعظم من المجتمعات.. قد يكون حجمُ بعضِها أقلَّ في مجتمعاتٍ بعينِها من أخرى، كما هي حالُ العنف الأسريّ والمدرسيّ الذي يكاد أن يختفيَ من مجتمعاتٍ غربيّة، أو الذي تتناقص نِسَبُه في مجتمعات أخرى تأخذ بالنُّظُم الحديثة، غير أنّ العنف المقترِن بالمنازعات بين الأفراد، أو العنف الذي ينصرف إلى السّرقات وما شاكلها يكاد أن يلازم الوجود الإنسانيّ في أكثر مجتمعات الأرض ويعبّر، في الوقت عينِه، عن وجْهٍ من استمراريّة مفعول الغرائزيِّ والحيوانيِّ في ذلك الوجود.
مع هذا، في وسعنا أن نقول، من غير تردُّد، إنّ هذه الأنواعَ من العنف قابلةٌ، جميعَها، للاستيعاب والاحتواء من قِبل المجتمع والدّولة، والدّولة على نحوٍ خاصّ، على النّحو الذي يَحُدّ من أضرارها وأخطارها ويحمي، بالتّالي، السِّلْم الاجتماعيّة والاستقرار. والمدخل إلى مثل ذلك الاستيعاب هو فرض سلطة القانون وأحكامِه على أفعالٍ تنتهك القوانين إذْ هي تنتهك سلامةَ مَن تَقَع عليهم من النّاس.
على أنّ من العنف في المجتمعات ما يُجاوِز هذه الحدود، بل يتخطّاها بالمسافة التي تجعلُه يتعصّى على أيّ صورةٍ من صُوَرِ الاستيعاب الممكنة، وقد يبْلُغ في الشّدّةِ مبْلغَ تهديد النّظام المجتمعيّ برمّته: بالانتقاض أو بالتّصدُّع وتمزيق النّسيج الاجتماعيّ أو بما نَاظَر ذلك من كبيرِ مخاطر.
وقد يكون أخطرُ تبدّيات هذا اللّون الكالح من العنف الاجتماعيّ الحربَ الأهليّة، نعني تلك الحال التي تنزلق فيها تناقُضات مجتمعٍ مّا إلى التّعبير عن نفسها في شكلٍ انفجاريّ، حيث تندلع موجاتٌ متلاحقةٌ من المواجهات المسلّحة والدّمويّة بين قوى ذلك المجتمع تتناسل من بعضها، لتتعسَّر معها أو تمتنع محاولاتُ السّيطرة على أفعال الإفناء المتبادَل بين أبناء المجتمع الواحد. والغالب على المجتمعات التي تَنْكُبُها تلك الحروب الدّاخليّة فِقدانُ قدرة الدّولة على بَسْط سلطانها، وأحياناً، فِقْدانُ التّوازُن وربّما التّفكُّكُ والسُّقوط.
قد تبدأ حرب أهلية في مجتمع ما من نزاعٍ بين جماعتين اجتماعيتين (إثنيتين، أو دينيتين، أو طائفيتين، أو عصبويتين)، لكنّها سرعان ما تُحْرِق بنيرانها جماعات أخرى فتستدرجها إلى الانغماس في المعتَرَك والمُحْتَرَق، وأكثرُ الحروب الأهليّة في التّاريخ إنّما بدأ من هذه البداية قبل أن يستفحل أمْرُه فيتمدّد ويفشو إلى أن يلتهم كلّ شيء.
ولأنّ العنف هذا ليس عنفَ أفرادٍ، بحيث تكون السّيطرةُ عليه أمراً مقدوراً عليه، بل عنفَ مجموعٍ اجتماعيّ «أو احتراباً سمّاهُ توماس هوبس: حرب الجميع على الجميع»، فإنّ انخراط الجميع فيه يفضي، لا محالة، إلى انقسام الدولة على نفسها وإلى تَنَاهُب مؤسّساتها ومقدَّراتها من قِبَل قوى الحرب الأهليّة: السّياسيّة والاجتماعيّة والمليشياويّة، بل إنّ من شروط ظهور الحرب الأهليّة على السِّلْم المدنية زوال الدولة أو، أقلَّ، ضَعْفَ قدرتها واضمحلالَها التّدريجيّ، إذْ لا قيامة لحربٍ أهليّة بوجود دولةٍ تتمتّع بقدرٍ مّا من العافية، ولو في حدٍّ منها أدنى، تسمح لها بالنّهوض بدورها في حِفظ الاستقرار والسِّلم، هذا ما يجعل الدّولة هدفاً مرغوباً في تجارب الحروب الأهليّة كافّة.
على أنّ الحرب الأهليّة لا تهدُف إلى مَحْوِ كيان الدّولة، في المطاف الأخير منها، إلاّ من أجل توليد سلطةٍ جديدة، قد تكون مركزيّةً فتأخذ شكلَ دولة أو محليّة فتنْحَدُّ بحدود الجماعة الأهليّة (العصبيّة) وقواها المليشياويّة، وقد تكون الغنيمةُ تَوَافُقاً بين قوى تلك الحرب الأهليّة على إنهاء حربها على قاعدةِ اقتسامٍ لسلطة الدّولة في شكلِ حصصٍ من التّمثيل تُحدِّدها توازناتُ القوى بين المتحاربين، كما قد تكون في صورة انشقاقٍ عن الدّولة الأمّ وإقامة كيانٍ مستقلّ عنها.
تتنوّع صُوَرُ علاقاتِ الحروب الأهليّة بالدّول ومصائرها، لكنّ الثّابت فيها أنّ الحرب الأهليّة ظاهرةٌ يتداخل الاجتماعيُّ والسّياسيُّ في تكوينها: مَنْشأً ومآلاً. فأمّا مآلاً فلأنّها تنتهي، دائماً، بهندسةٍ سياسيّةٍ مّا تُسمّى تسويةً أو حلاًّ سياسيّاً، وأمّا مَنْشأً فلأنّ مبتدأَ أيِّ حربٍ أهليّة يَكْمَن في أزمةٍ سياسيّة تشهد عليها جماعةٌ سياسيّةٌ مّا وتعجَز عن استيعابها سلميّاً.