حديد ونشارة خشب

00:02 صباحا
قراءة دقيقتين

تذكر مصادر حياة الكاتب الفرنسي إميل زولا (1840 - 1902)، أنه بين عامي 1866 و1871 كان يتردد على بلدة بينكو على ضفة نهر السين لقضاء عطل مع أصدقائه، ومعظمهم فنانون، وخلال إحدى هذه العطل دهش مع صديقه الرسام سيزان أمام مشهد حدّاد يعمل في مشغله (إميل زولا الفيضان، ترجمة: دانيال صالح، صفحة 185).
كتب زولا قصة بعنوان «الحدّاد» نشرت للمرة الأولى في العام 1874، وتظهر في القصة براعته الاستثنائية في الوصف، والأهم من ذلك، قدرته السردية الفائقة على تحويل ورشة حدادة إلى قطعة أدبية أشبه بقصيدة غنائية.
«لم أسمع الحدّاد يوماً يتشكّى، رأيته بعدما قضى أياماً يطرق الحديد على مدى أربع عشرة ساعة. يضحك في المساء بضحكته الطيّبة المرحة وهو يفرك ذراعيه راضياً. لم يكن يوماً حزيناً ولا تعباً».
هذا عن طبيعة أو شخصية الحدّاد، ولكن ماذا عن ورشة الحدادة؟ هنا لا بد لإميل زولا أن يجلس في ورشة. يرى، ويسمع، ويتأمل، ثم يكتب «كل هذه الحدائد المقرقعة المدوّية من تحتي كانت تفعم دمي حديداً. كان ذلك أفضل لي من عقاقير الصيادلة. اعتدت هذا الضجيج. صرت في حاجة إلى موسيقى المطارق هذه تقرع على السندان حتى أسمع نفسي أحيا». ثم يعود زولا مرة ثانية إلى الحدّاد. إنه هنا ملك الحديد «كم كان الحدّاد يبدو لي رائعاً أحياناً، في ما بعد الظهائر الحارة عارياً حتى الخصر. عضلاته متصلّبة ونافرة، كان يشبه أحد مخلوقات مايكل أنجلو الهائلة».
وأخيراً، ينهي زولا قصته بعبارة الجملة الختامية القاطعة «هنا في مشغل الحدّاد، وسط هذه المحاريث، شفيت إلى الأبد من داء البلادة والتشكيك الذي كان يلمّ بي».
عشرات، بل مئات من الشعراء والقصّاصين والروائيين يمرّون بحدّادين ونجّارين وصبّاغين وحائكين وحوذيين ومزارعين، وبائعي أقمشة وطبّاخين وأطباء وبحّارين، وإلى آخره من صنّاع الحياة بأيديهم ورؤوسهم وأفكارهم، لكن، نادراً جداً ما يتوقف واحد من هؤلاء الكتّاب، ويجلس ويكتب قطعته الأدبية، وبطلها خيّاط، أو سمكري، أو سائق تاكسي.
الكتابة هي مركب أدبي من لغة وصور ومجازات واستعارات وغيرها من المكوّنات الفنية للنصّ، لكن إلى جانب هذه المكونات الثقافية هناك دائماً لغة شعبية رائعة في الحياة تصنعها عادة اليد البشرية، اليد التي تصنع الباب والحائط، والنافذة، تلك التي تسمّى اليد العاملة، وقد عرف إميل زولا كيف يقرأ خطوطها جيداً، وكيف يحوّل الحديد إلى أدب.
[email protected]

عن الكاتب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"