لديّ أكثر من خمسة آلاف صفحة كلها شعر عالمي مترجم إلى العربية، من الروسي إلى الإنجليزي والأمريكي والألماني والصيني والهندي، وبالطبع شعر الهنود الحمر الذي غالباً ما نقرأه بالعربية مترجماً عبر لغة وسيطة (ثالثة)، وبالطبع أيضاً، إن جيشاً من المترجمين العرب وراء هذه الآلاف من النصوص التي تعرّض بعضها إلى خيانة كاملة، والبعض تعرّض إلى نصف خيانة، وذلك بحسب المعايير المهنية للترجمة.
يمكنك أن تضع أكثر من مسمّى مهني لمؤسسة عربية لترجمة الشعر، وحين تقول مؤسسة فأنت تعني فريقاً كاملاً متكاملاً من المترجمين، ولك أن تُسمّي هذه المؤسسة كما تريد: المركز العربي لترجمة الشعر، اتحاد مترجمي الشعر العربي، إلى أن تصل إلى صيغة نهائية قابلة لاستيعاب مشروع كبير في الترجمة (ترجمة الشعر فقط)، ومرة ثانية، استناداً إلى مجموعة من فرق العمل الترجمانية.
لا أدري إن كانت تلك طموحات أم أنها اقتراحات أم أنها أحلام، والأرجح أنها أحلام في زمن عربي تزدهر فيه ترجمة الشعر العالمي إلى العربية التي هي أصلاً لغة شعر.
انظر، صديقي القارئ، إن كنت قارئ أدب إلى مكتبتك الخاصة، وانظر إلى رفوف الكتب في المكتبات العامّة ومكتبات بيع الكتب، ماذا ترى؟ إن أكثر من 70٪ من الكتب هي ترجمات، ثم إلى أن تطبع دور النشر شكسبير، ونيرودا، ولوركا، وازرا باوند، وليرمنتوف، وبودلير، وغيرهم العشرات من شعراء العالم الذين اشتغل على نقلهم إلى العربية مترجمو السبعينات والثمانينات، ولم تنضب تلك الترجمات إلى الآن، بل ولم يطرأ عليها أي مراجعات ترجمانية جديدة.
حقيقة، نحن نقرأ شعر العالم أكثر مما نقرأ روايته وفلسفاته، كأننا في الشعر نبحث عمّا يشبهنا عند ذلك الذي يُسَمّى «الآخر»، وفي حين نحن أيضاً «آخر» بالنسبة إلى «الآخر»، فإنه لا يبحث في الكثير من «ألف ليلة وليلة»، وعن ذلك الشرق العابق بالعطر والبخور والجواري، ولأنه في قلب تلك العقدة ولن يتخلّص منها إلا بوعي شعري ثقافي جديد، فإنه لن يجد الليل والشرق في الشعر العربي الجديد.
يترجمنا الغرب إلى لغاته عادة من هذه الزاوية النفسية المتخلّفة، في حين نقرأ نحن شعر «الآخر» بوصفه مجموعة من الصور في مرايا الفكر والوجود والحياة.
نقرأه الآن وليس أمس. نقرأه في القرن ال 21 وفي عام 2024، ولا نقرأه كما كان في قرونه الوسطى، أو كما كان يسخر منه دون كيشوت، وخادمه سانشو.