د. محمد السعيد إدريس
اللقاء الذي جمع مورغان أورتاغوس نائبة المبعوث الأمريكي للشرق الأوسط، في زيارتها الثانية للبنان، مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون، ورئيس مجلس النواب اللبناني نبيه برى (الأحد الماضي 2025/4/6)، والنقاط الصعبة التي فرضتها أورتاغوس على هذا اللقاء، ليست وحدها ما يهدد فرص الاستقرار في لبنان، نظراً لأن تحديات أخرى لا تقل خطورة أخذت تهدد المستقبل اللبناني كله.
ركزت أورتاغوس في لقائها مع الرئيس جوزيف عون ورئيس مجلس النواب نبيه بري على الشق الأمني والسلاح الموجود في جنوب وشمال نهر الليطاني، وبالتحديد المطلب الأمريكي الصريح بنزع سلاح «حزب الله»، وربطت بين تحقيق ذلك وبين التقدم في مسار إعادة الإعمار، وأوضحت ذلك في حديث تلفزيوني في اليوم ذاته قالت فيه إن واشنطن تركز حالياً على وقف الأعمال العدائية في جنوب لبنان ونزع سلاح «حزب الله»، وخاطبت اللبنانيين قائلة إن «على السلطة والشعب الاختيار، إما التعاون معنا ونزع سلاح حزب الله، وإنهاء الفساد، وعندها ستكون شريكاً وصديقاً، وإما خيار التباطؤ من قبل الحكومة والقادة، وهنا لا يتوقعون شراكة معنا».
كلام أقرب إلى التهديد، في وقت تتجاوز فيه الولايات المتحدة التجاهل الإسرائيلي لاتفاق وقف إطلاق النار الموقَّع في 27 نوفمبر/تشرين الثاني 2024 بين إسرائيل ولبنان، بوساطة وضمانة أمريكية وفرنسية، واستمرار الاعتداءات الإسرائيلية على مناطق متفرقة من لبنان، وعدم الانسحاب من المواقع التي احتلتها في الجنوب، والإصرار على فرض منطقة عازلة على الأراضي اللبنانية، ضمن تأكيد أن «إسرائيل من حقها أن تفعل ما تشاء في لبنان وقتما تشاء».
الربط الأمريكي بين مطلب نزع سلاح «حزب الله»، وبين الشروع في الوفاء بوعود إعادة الإعمار، جاء مقترناً بضغوط أخرى تصب في اتجاه دفع لبنان قسراً نحو خيار تطبيع العلاقات مع إسرائيل. هذه المعادلة الصعبة هي أحد أوجه الأزمة اللبنانية الجديدة التي فرضتها المتغيرات الجديدة لمرحلة ما بعد الحرب الإسرائيلية على لبنان وتدمير أهم قدرات «حزب الله»، وإخراج إيران من لبنان وسوريا بعد إسقاط نظام بشار الأسد في دمشق، وتحول سوريا الجديدة إلى حاجز صلب يحول دون تمكين إيران من معاودة إمداداتها ودعمها ل «حزب الله».
لكن هناك معادلة أخرى جديدة، ربما تكون أكثر صعوبة، وهي الانعكاسات الاجتماعية للتحولات التي فرضت على لبنان بعد الضربة العنيفة التي تعرض لها «حزب الله»، وخروج إيران من معادلة إدارة السياسة في لبنان لصالح أطراف أخرى أبرزها بالطبع الولايات المتحدة، ومن خلفها إسرائيل وأطراف دولية وإقليمية وعربية أخرى.
فقد دعمت هذه التطورات عوامل تجدد خطر الصراع الديني والطائفي في لبنان لصالح الأطراف التي تعتقد أنها المستفيد الأول من هذه التحولات والتطورات، وعلى حساب أطراف أخرى تجرى محاصرتها والنيل من مكانتها باعتبارها لم تعد كما كانت قبل الحرب، صاحبة كلمة عالية في العملية السياسية بلبنان.
ففي الوقت الذي ظهرت فيه دعوات تهدف إلى النيل من «البيئة الحاضنة» ل«حزب الله»، وبالتحديد الطائفة الشيعية، والدعوة إلى إجبارها على دفع أثمان رعايتها ودعمها ل«حزب الله»، ظهرت دعوة أخرى لبعض أبناء «اليمين» في لبنان منحوا أنفسهم اسم «المحافظون الجدد»، ودعوا ليس فقط إلى تقسيم لبنان على أسس دينية عنصرية تحت يافطة فيدرالية غامضة، بل أيضاً الانضمام إلى ما سمّوه ب«الحرب الكونية القومية المسيحية اليمينية» المتطرفة في أوروبا وأمريكا. وركزوا على الدعوة للنهوض ب«المجتمع المسيحي» و«الاقتصاد المسيحي»، ووصفوا الوضع الحالي للمسيحيين في لبنان ب «الذمية السياسية» وأعلنوا رفضهم لاتفاق الطائف، واعتباره متناقضاً مع القانون الدولي، معتبرين أن الدستور اللبناني الحالي «يشكل خطراً وجودياً على المسيحيين» لأنه كرس، في إحدى المراحل «سيطرة سنية» ثم سيطرة نظام الأسد و«الشيعة السياسية»، في مراحل متتالية أخرى، ورفضوا أي عمل من أعمال «معاداة الغرب» من منطلق ديني أيديولوجي، وعزمهم على مواجهة «الإسلام السياسي المتطرف والحركات الجهادية».
البيان التأسيسي لتيار «المحافظون الجدد» في لبنان الذي يتحدث عن «صعود مسيحي» مستفيد من الأحداث الأخيرة، كانت له أصداء على الجهتين السنية والشيعية. ففي حين تصدت هيئة علماء المسلمين في لبنان لتلك الدعوة، انشغلت أطراف ما سمي ب«الشيعة السياسية» سواء في «حزب الله» و«حركة أمل» أو حتى المعارضة الشيعية لها، بعملية المراجعات التي يقومون بها حالياً لتلمس طريق ما بعد الأزمة والانعكاسات المحتملة لما ستؤول إليه الأزمة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران على لبنان وعلى الشيعة على وجه الخصوص، ضمن تطورات تكشف مدى فداحة الوجه الآخر للأزمة اللبنانية.