د.إدريس لكريني
يعد التطوع من السلوكات الإنسانية التي تعبر عن رقيّ المجتمعات وتمسك الفرد بقيم المواطنة والانتماء إلى المجتمع، سواء تم هذا الفعل خلال الفترات العادية أو في أوقات الأزمات والطوارئ. كما يعد التطوع تجسيداً للتلاحم والترابط داخل المجتمعات عبر تعبئة الجهود والطاقات لمواجهة مختلف التحديات، بما ينطوي عليه الأمر من تعاون وتلاحم وعمل ينحو إلى خدمة المجتمع والصالح العام.
وتزداد أهمية التطوع داخل الدول التي تعرف أزمات اجتماعية واقتصادية، ومن جانب آخر تتضاعف أهمية هذا السلوك المدني داخل الفضاءات الريفية حيث الحاجات الاجتماعية تكون أكثر بالنظر إلى غياب أو هشاشة البنى التحتية والخدمات الطبية والاجتماعية والثقافية.
ورغم أهميته خلال الأوقات العادية لارتباطه بعدد من المجالات الإنسانية، إلا أن التطوع يستأثر بأولوية خاصة خلال فترات الأزمات والكوارث، بالنظر إلى الضغط الذي تفرضه هذه اللحظات العصيبة التي تتسبب فيها هذه الأحداث الطارئة، خصوصاً أن الدولة بإمكانياتها المختلفة تظل في كثير من الأحيان عاجزة عن مواجهة التبعات والانعكاسات التي تطرحها هذه المحطات القاسية.
وعياً بأهمية التطوع في تحقيق التنمية وترسيخ الممارسات الديمقراطية وتعزيز التضامن والتكافل بين أفراد المجتمع، أولته الكثير من الدول عناية كبيرة، من خلال التوعية بأهميته، وترسيخ ممارساته داخل عدد من المؤسسات المدنية والإدارية والتعليمية والثقافية، بل وخصّته بتشريعات تدعم حضوره داخل المجتمعات، كما شجعت على إحداث شراكات بين القطاعين العام والخاص في هذا الشأن.
وأضحى العمل التطوعي سمة بارزة في عمل المنظمات غير الحكومية الدولية التي تشتغل في المجالات الاجتماعية والبيئية وحقوق الإنسان، كما أصبح جزءاً من العمل اليومي لجمعيات المجتمع المدني بكل أصنافها البيئية والخيرية والثقافية والتربوية. وفي نفس السياق، تلجأ الكثير من الهيئات الرياضية الوطنية والدولية إلى خدمات المتطوعين من الشباب للمساهمة في تنظيم عدد من الفعاليات الرياضية التي عادة ما تحظى بإقبال جماهيري واسع، ونفس الأمر ينطبق أيضاً على كثير من أنشطة وتحركات الهيئات الدولية الناشطة في مجالات حقوق الإنسان والخدمات الإنسانية، سواء في الفترات العادية أو الطارئة التي تنبني في جزء كبير منها على التطوع.
كما أن الكثير من الجامعات الرائدة على المستوى الدولي تعمل من جانبها على توفير فرص تتيح للطلاب الانخراط في أعمال تطوعية، كسبيل لبناء شخصيتهم وتطوير مهاراتهم وقدراتهم من جهة، وخدمة مصالح المؤسسات الجامعية، وترسيخ انفتاحها على محيطها الخارجي من جهة أخرى.
واستحضاراً لمساهمات التطوع في تحقيق التنمية الإنسانية مظاهرها المختلفة، وترسيخ السلام في بعده الإنساني والشامل، أولته الأمم المتحدة من خلال مختلف أجهزتها ووكالاتها المتخصصة اهتماماً بالغاً، حيث خصّصت الجمعية العامة التابعة لهذه الهيئة في عام 1985 تاريخ الخامس من ديسمبر/ كانون الأول من كل عام مناسبة للاحتفاء باليوم العالمي للتطوع، الذي يمثل لحظة للاعتراف بأهمية المبادرات والجهود التي يبذلها المتطوعون على المستويات المحلية والوطنية والدولية، والوقوف عند الصعوبات والتحديات التي تواجههم في مهامهم ومبادراتهم، مع طرح الحلول الكفيلة بتوفير المناخ السليم والملائم لنشاطاتهم في هذا الشأن.
وفي هذا السياق، ورغبة في فتح نقاش علمي هادئ، يسلط الضوء على مختلف الجوانب المتصلة بهذا الموضوع في ارتباطه بفئة الشباب الذي يعد ركيزة أساسية لبناء المستقبل وتحقيق التنمية، أقامت منظمة العمل المغاربي جامعتها الصيفية لهذا العام (2025) حول «الشباب والتطوع»، بمشاركة عدد من الباحثين من مختلف الحقول العلمية، وبحضور عدد من الشباب المغاربي والفاعلين المدنيين. وقد شكل هذا اللقاء العلمي فرصة لتناول الموضوع من جوانب مختلفة، حيث تم التطرق إلى الأساس القانوني والاجتماعي للتطوع، وإلى علاقة هذا الأخير بالتنشئة الاجتماعية والمواطنة والممارسة الديمقراطية وحقوق الإنسان والتطور الرقمي، كما تم التوقف عند أهمية التطوع في فترات الكوارث والأزمات، ودوره أيضاً في تعزيز جهود التنمية الإنسانية، وترسيخ الممارسات التشاركية في هذا الخصوص.
وعلى امتداد يومين من المداخلات والنقاش المستفيض الذي أعقبها، يمكن تلخيص أهم التوصيات والخلاصات التي توصل إليها المشاركون، حيث تم التأكيد على أهمية ترسيخ ثقافة التطوع في أوساط الشباب كسبيل لتمكينه من تفجير طاقاته فيما يفيده ويفيد محيطه المجتمعي، وهو الأمر الذي اعتبر بكونه يسائل قنوات التنشئة الاجتماعية من مؤسسات تعليمية ومنابر إعلامية وأحزاب سياسية ومجتمع مدني. كما تمت الدعوة إلى إرساء عمل تطوعي متطور وناجع ومنفتح على قضايا المجتمع وأولوياته، مع التأكيد أيضاً على أن تحقيق هذا الرهان يظل رهناً بتوافر مجموعة من الشروط المرتبطة بالحرية والديمقراطية، وبالشعور بالمواطنة، مع توافر إطار قانوني يدعم هذه الممارسات، علاوة على وجود قدر من الثقة بين أفرد المجتمع وبينهم وبين مؤسسات الدولة.
ومن جانب آخر، تمت الدعوة إلى إدراج ثقافة التطوع ضمن البرامج التعليمية، وإلى توفير الشروط المالية والقانونية والتقنية للتطوع، بالإضافة إلى تيسير المساطر الخاصة بإحداث الجمعيات المدنية التي تقوم في نشاطاتها على السلوك، ثم خلق مؤسسات وإرساء مبادرات تعطي للعمل التطوعي بُعداً من الاستدامة، وكذا إحداث شبكات مدنية تحفّز على العمل التطوعي وتدعم توظيفه لخدمة المجتمع.