عادي
جماليات إماراتية

نورة الهاشمي.. الرسم خزان الذاكرة

20:05 مساء
قراءة 3 دقائق
نورة الهاشمي
نورة الهاشمي

لم يكن تناول مواضيع البيئة المحلية ومفردات التراث مجرد نقطة انطلاق في تجارب التشكيليين الإماراتيين، كون كل فنان يستقي إلهامه الإبداعي من الأشياء المحيطة به والتي يتفاعل معها، بل وكذلك استمر ذلك التأمل في تلك العناصر والمفردات بشكل أكثر عمقاً، لدى العديد من المبدعين من الرسامين عبر الانفتاح على التيارات العصرية والحداثية، وعمقوا من الحالة التراثية وصاروا ينظرون إليها بزاوية مختلفة عن الماضي.

إذا كان هناك العديد من الفنانين الإماراتيين من أجيال الرواد الذين التصقوا بالبيئة والطبيعة وعبروا عنها بصورة مميزة، فإن الأجيال الجديدة من المبدعين وسعوا من رؤيتهم تجاه الطبيعة ومفردات البيئة ومكوناتها من صحراء وجبل وسهل ووديان وبحر والكائنات التي تعيش فيها، ولعل من أبرز الفنانين المعاصرين التشكيلية نورة الهاشمي التي تعد من المبدعين الذين قدموا أعمالاً تحاور الطبيعة عبر منظور مختلف تلتقي فيه تيارات فنية من الواقعية والطبيعية بأشكالها المختلفة، وذلك قادها إلى تطوير أدواتها وتوسيع خبراتها في تكوين لغة بصرية معاصرة تستمد إلهامها من تفاصيل الحياة اليومية.

لنورة الهاشمي العديد من اللوحات التي تتأمل وتحاور فيها الطبيعة ومن هذه الأعمال اللافتة لوحة لغزالتين تسرحان في بيئة صحراوية تبحثان عن الكلأ في محيط تشح فيه الأشجار والنباتات، لكن المشهد في غاية الروعة والجمال حيث يجمع بين منظر تلك الصحراء الممتدة بلونها الأصفر الذهبي وكثبانها وتلالها الصغيرة، وبين جمال الغزالتين مع وجود القليل من الحشائش والشجيرات بألوان من الدرجات الباهتة من اللون الأخضر، حيث عملت الفنانة على عكس جماليات الصحراء كجزء من الطبيعة المحلية، فهي بالنسبة لها ليست مجرد رمال ممتدة بصورة لا متناهية، بل هي حياة تسير من الماضي إلى الحاضر وقيم وموروثات تنعكس على إنسان اليوم في سماته وقسماته.

وراء اللوحة


تعبر تلك التفاصيل الجمالية التي برزت في مشهد اللوحة عن صورة حية شديدة الألق والبهاء من خلال استعراض جمال الصحراء، بسحرها وصفائها وهدوئها، وتحمل اللوحة كذلك دلالات وأبعاداً تتمثل في تعبير الفنانة عن الهوية والتراث والقيم الوطنية من خلال تلك الأشكال الرمزية التي وردت في العمل، وغاصت الفنانة عميقاً في الحياة التقليدية التي تميز المجتمع الإماراتي، وعملت من خلال اللوحة على أن تظهر التراث والطبيعة بشكل يتماشى مع متطلبات الفن المعاصر، فالهدف من العمل هو الإسهام في تعزيز الموروث وترسيخ الهوية الإماراتية في نفوس الأجيال المختلفة، فتلك المفردات والكائنات هي بمثابة رموز تشير إلى الحياة الاجتماعية في الدولة بصورها المختلفة.

هذه اللوحة تنتمي إلى اهتمامات الفنانة بعناصر التراث الشعبي، وهناك العديد من اللوحات الأخرى لها تبرز فيها اشتغالات جمالية على فنون الصيد والفروسية وكل المهن والهوايات والأنشطة الاجتماعية التي مارسها الأجداد، وكل لوحة تحمل في طياتها جزءاً من الحكايات القديمة، ويشير عدد من النقاد إلى أن ما يميز أسلوب نورة الهاشمي في أعمالها ومن ضمنها هذه اللوحة جمعها بين الألوان الترابية والعناصر التراثية، لتشكل مشاهد تلقي بظلالها على الذاكرة الإماراتية، وتبقي على روح التراث حية ومتجددة في وجدان مختلف الأجيال، وهذه اللوحة وغيرها هي بمثابة ألبوم ينعش الذاكرة الإماراتية ويجعل الحياة فيها باقية في الأذهان، فذلك الإبداع الفني المبذول في العمل هو بمثابة عصف ذهني في كيفية الحفاظ على تلك المشهديات من الاندثار بفعل زحف الحضارة والمعاصرة.

*طبيعة صامتة


اللوحة تبرز براعة الفنانة كذلك في استخدام تقنيات مختلفة، وتوظيف الألوان الزيتية والمائية بصورة مغايرة ومبتكرة، حيث عملت على صناعة مشهد بصري يحيل مباشرة إلى ما تعنيه الصحراء بالنسبة للإماراتيين ومنطقة الخليج ككل، إذ عكست في العمل عبر ضربات الفرشاة ذلك التنوع والثراء الذي يميز الصحراء والأنشطة الاجتماعية التي تمارس فيها، فمشهد الغزالتين في اللوحة يوحي بأن هناك من يراقبهما، في إشارة إلى نشاط الصيد وهو أحد الأنشطة التراثية، ونجحت الفنانة في إبراز أكثر من عنصر تراثي في العمل، إضافة إلى الاشتغالات الإبداعية على جمال الطبيعة الصامتة.

*أبعاد


ويبدو من الواضح أن اللوحة جمعت بين الأبعاد الجمالية والفكرية لدى الفنانة التي حولت اهتمامها بالطبيعة والتراث إلى لوحات فنية، ويعود ذلك إلى صقل نورة للموهبة بالتعمق في المعرفة فهي تعد من أولى الفنانات اللاتي تخرجن في كلية الفنون بجامعة الإمارات، ثم سافرت إلى باريس من أجل مزيد من المعرفة الفنية، ومارست كافة أنواع الفنون: الرسم الزيتي، والمائي، والخزف والنحت والسجاد، وتعرفت إلى جميع الحرف الفنية، ثم بعد التخرج عملت لمدة عامين مدرِّسة فنون، عقب ذلك دخلت مجال «الجرافيك ديزاين»، وحاولت من خلاله مواكبة العصر الحديث مما أكسب أعمالها أبعاداً جمالية مختلفة.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"