دخل النظام الدولي منذ سنوات في حالة اضطراب، لا تتجلّى فقط في الأزمات العديدة التي تعيشها العلاقات الدولية، وإنما تظهر حالة الاضطراب أيضاً، في تهاوي العديد من الأنظمة، مع تحلّل غير مسبوق لمنظومة مفاهيمية أفرزت مرجعياتها الكبرى منذ القرن الثامن عشر، تتعلق بالدولة والسلطة والشرعية والمجتمع، وفي الاتجاهات العامّة للنظريات السياسية أو الأيديولوجيات التي سادت العالم لعقود طويلة، الأمر الذي يطرح سؤالاً مفصلياً حول مستقبل فكرة الحداثة السياسية، وفيما لو كانت تمضي إلى نهايتها أم أنها تمرّ بتحوّل راديكالي، قد يعيد تعريفها على نحو هجين؟
قامت الحداثة السياسية على ثلاث ركائز أساسية، هي احتكار الدولة للعنف، واعتبار الفرد مصدر الشرعية، والتمثيل السياسي من خلال الأحزاب والبرلمانات، وهذه الركائز تبلورت من خلال مفهوم العقد الاجتماعي، الذي تطوّر عبر محطات تاريخية ونظرية (توماس هوبز، جون لوك، جان جاك روسو)، وقد أثمر مشروع الحداثة عن الدولة القومية، والديمقراطية، والمجتمع المدني، لكن هذه المنتجات التاريخية لمشروع الحداثة تعيش منذ أوائل القرن الحالي أزمات لا تتعلق فقط بمشكلات اعتيادية، بل هناك حالة اهتزاز أفقدت المفاهيم ثباتها، وأدخلتها في حالة من عدم اليقين.
مفهوم الدولة على سبيل المثال يضعف أو ينكشف أمام التحوّلات في أماكن كثيرة من العالم، حيث أصبح بالإمكان تعريف بعض الدول بوصفها جهازاً إدارياً فقط، أو جهازاً أمنياً، أو جهازاً وظيفياً في العلاقات الدولية، أو نمط إدارة للعلاقات المالية والاقتصادية، مع غياب أو تراجع كبير في المعنى السياسي، كما أن مفهوم السيادة نفسه ينكمش أمام عودة التدخلات العسكرية المباشرة، وتحوّل عدد من البلدان إلى دول فاشلة، أو تبعية بعض الدول إلى سياسات البنك الدولي، التي أصبحت المقرّر الرئيسي لتوجهات الكثير من الأنظمة، على حساب مبدأ السيادة نفسه. وحتى الكثير من التمثيلات البرلمانية لم تعد تعكس التنوع الاجتماعي والأيديولوجي، بل مجرد واجهات للقوى الاقتصادية والمالية، التي أصبحت تتحكم بالتشريعات، من دون الأخذ بالحسبان انعكاساتها الاجتماعية والمعيشية على الفقراء والفئات الأكثر هشاشة في المجتمع.
أما الديمقراطية، فقد تحوّلت في دول كثيرة إلى أداة نفوذ بيد نخب مالية وتكنولوجية قادرة على تكريس نفوذها في أماكن صناعة القرار، ومنع صعود قوى جديدة إلى السلطة، من خلال إمكانات هائلة توظف في صناعة الرأي العام، وبناء شبكات نفوذ واسعة، في مفاصل الدولة والمؤسسات، وإذا كان هذا هو واقع الحال الذي مضت فيه عدد من التجارب الغربية، فإن واقع الحال في الدول التي شهدت اضطرابات، ذهبت نحو ديمقراطية «المحاصصة» الطائفية، التي تكرّس قوى طائفية في مواقع الحكم، تمتلك كل إمكانات قمع صعود قوى عابرة للطوائف.
أما المصطلحان الشهيران، اليمين واليسار، اللذان اختزلا توجهين أيديولوجيين متصارعين لزمن طويل، أي الرأسمالية والاشتراكية، فما عادا يمتلكان الدلالات ذاتها، نتيجة عوامل موضوعية دولية، أبرزها سقوط الاتحاد السوفييتي، لكن أيضاً بفعل عطالة داخلية أيضاً، أصابت القوى السياسية، التي لم تعد تعبيراً صافياً عن الفئات التي يفترض أنها تمثلها، بل تعبيرات مصلحية لعدد من القادة الحزبيين، في دائرة نفوذ وتبادل مصالح أوسع.
وإذا كانت الحداثة السياسية قد تطابقت مفهومياً مع العقلانية، فإن هذه العقلانية حدثت لها عملية انتهاك واسعة، فمع فشل تيارات سياسية رئيسية في العديد من الدول الديمقراطية، صعدت في السنوات الأخيرة تيارات شعبوية، تسارعت وتيرة حضورها على المسرح السياسي وأصبحت منافساً قوياً في الانتخابات، كما في ألمانيا وإيطاليا وفرنسا، وأيضاً في أمريكا اللاتينية، وهي تيارات تفتقر إلى نظرية سياسية متكاملة، لكنها تمتلك خطاباً تحريضياً شعبوياً يعتاش على فشل الحكومات في التصدي للأزمات الاجتماعية والسياسية.
أما المسألة المستجدة، التي تطرح نفسها على علاقة السلطة بالمجتمع، أو حتى على مبدأ السيادة ذاته، أو مبدأ العقلانية، فهي التحوّل التكنولوجي الهائل، حيث إنه إلى جانب التدفق السائل للمعلومات، تجري عمليات تضليل كبرى، واستثمار في تصعيد التيارات الشعبوية، وتكريس أنماط ثقافية واستهلاكية محددة، بعيداً عن الاحتياجات الواقعية للمجتمعات والأفراد، وأيضاً على التضاد ربما مع الإمكانات المتاحة في الواقع.
لكن، ما البدائل المطروحة اليوم عن الحداثة السياسية؟ وما هي المفاهيم الهجينة التي تشكّلت أو قيد التشكل؟
في الكثير من الدول الديمقراطية، فإنه مع تراجع الأيديولوجيا، شهد مفهوم المواطنة انزياحاً كبيراً، حيث بدأ الفرد يتحوّل من مواطن/ شريك إلى زبون/ مستهلك، مع نمط إدارة يحوّل مؤسسات الدولة إلى أجهزة إدارية، مع إمكانات ضبط أمنية وتكنولوجية. وفي نماذج أخرى، تبنّت السلطات نمط حكم قائم على الخوارزميات، حيث تصاغ القرارات الكبرى للدولة وفق إحصاءات خوارزمية، تجريها مؤسسات متخصصة، وليس بناء على المشاركة الشعبية، أو التمثيل السياسي للشرائح الاجتماعية. كما أن انهيار العديد من الدول، خصوصاً في الشرق الأوسط، أظهر صعوداً قوياً للهويات الثانوية، القائمة بشكل رئيسي على العصبية الجماعية، مثل الطائفة والعشيرة والمنطقة، مع انتكاسة كبرى لكل المؤسسات الحديثة، مثل القضاء والبرلمان والأمن.