في ضوء تزايد التعقيد في المشهد السياسي العالمي، اجتمع الرئيسان، الأمريكي دونالد ترامب والروسي فلاديمير بوتين في ألاسكا، لمناقشة سبل إنهاء الحرب في أوكرانيا، لكن الغاية الرئيسية الاستراتيجية تبدو أبعد من هذه الحرب، فهذا الاجتماع الذي سبقه تصعيد إعلامي من قبل ترامب ضد موسكو، خلال الأشهر الماضية، هو في جوهره محطة لا مناص منها لإعادة فتح النقاش حول التوازنات الدولية، بعد سنوات من الاضطراب الاقتصادي والأمني في مجمل العلاقات الدولية.
كلّ الأطراف الفاعلة دولياً تدرك أن الحرب في أوكرانيا لم تعد مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين، وهي في الأصل لم تكن كذلك، وإنما هي تعبير عن أزمة جيوسياسية، تتشابك فيها مصالح وتناقضات أوروبا وأمريكا وروسيا وحتى الصين، وقد انتهت المبادرات السابقة، سواء في برلين أو جنيف، إلى الفشل، من دون إحراز أي تقدم حقيقي نحو الحلّ السياسي، ومن الطبيعي أن تكون النتيجة، ليس استمرار الحرب وما يرافقها من أزمات إنسانية، بل أيضاً استمرار استنزاف وهدر موارد كبيرة، وحدوث حالة من عدم اليقين بما يخصّ مستقبل العلاقات بين الأطراف.
خلال العقد الأخير، جرت محاولات عديدة لاحتواء تصاعد التوتّر بين القوى الكبرى، لكن غاب عن تلك المحاولات أي سعي إلى إنتاج اتفاق تاريخي كبير ومفصلي لإعادة ترتيب المشهد الدولي، بما يضمن مصالح الجميع، على غرار «اتفاقية يالطا» في عام 1945، والتي صاغت خارطة المصالح الدولية، وتقاسم مناطق النفوذ في العالم، وضمنت لعقود من الزمن حالة استقرار، سمحت لأوروبا أن تعيد بناء دولها ومدنها التي دمّرتها الحرب العالمية الثانية، وتبني اقتصاداتها من جديد، وأن تصبح فاعلاً أساسياً في صياغة السياسات الكبرى.
ضرورة وجود «اتفاقية يالطا» جديدة، لا ينبغي التعامل معها بوصفها تكراراً للتاريخ، فقد حدثت تحوّلات عالمية وعولمية هائلة في العقود التي تلت انهيار الاتحاد السوفييتي عام 1991، ولذلك، فإن الأساس في هذه الضرورة اليوم هو الاستفادة من الدرس التاريخي، وبناء منظومة علاقات دولية، تعيد للتفاوض مكانته على حساب خيار الحرب، ومراعاة مصالح جميع الأطراف، خصوصاً أوروبا التي تشعر بقلق بالغ، إزاء الحرب الأوكرانية، وإزاء سعي ترامب إلى تهميش دورها في الصفقة السياسية حول أوكرانيا.
منذ بدء الحرب الروسية الأوكرانية، تبلورت الدوافع الاستراتيجية للطرفين الأمريكي والروسي، فواشنطن تسعى إلى استعادة الدور المحوري في القرار الدولي، وموسكو تريد تثبيت مكاسبها في أوكرانيا، والأهم بالنسبة لها وقف التوسع الغربي، وعدم تهديد أمنها القومي، ويمكن للدافعين الأمريكي والروسي أن يشكلا نقطة انطلاق أساسية لمناقشة مجمل العلاقات الدولية، والاعتراف بأن التصعيد يمكن أن يتطوّر إلى انتكاسة تصيب مجمل النظام الدولي.
لكن فرصة إنجاز اتفاق تاريخي يكون بمثابة «يالطا» القرن الواحد والعشرين تواجه عوائق بنيوية حادة، فالنظام الدولي ليس واشنطن وموسكو فقط، على الرغم من أهميتهما الاستثنائية، فالعبور إلى اتفاق عالمي بمثل هذه الأهمية لاستراتيجية لن يكون ممكناً من دون أخذ مصالح أوكرانيا بالحسبان، فأي اتفاق ثنائي على حساب كييف من شأنه أن يهدد بفوضى سياسية عارمة، تتجاوز حدود العاصمة الأوكرانية إلى العواصم الأوروبية الكبرى.
أوروبا التي استفاقت منذ ثلاث سنوات على وقع عبور دبابات روسيا وجنودها الأراضي الأوكرانية، تشعر اليوم بخطر متزايد، فإذا كانت روسيا قد أفصحت عن إرادة قوية لتجاوز الخطوط الحمراء، فإن واشنطن الترامبية لا تبدي الكثير من التمسّك بالشراكة التاريخية مع أوروبا، أو منحها مكانة تفضيلية في العلاقات التجارية، وهو ما أظهره مؤخراً الاتفاق التجاري بين واشنطن وبروكسل، والذي فرض معاملة ضريبية غير عادلة على البضائع الأوروبية، مقابل إعفاء البضائع الأمريكية من الضرائب.
أيضاً، ما يجعل الوصول إلى اتفاق تاريخي أمراً بالغ الصعوبة، هو سياسة ترامب القائمة على تسويات منفردة، على مبدأ الصفقة التجارية، وحسابات الربح السريعة، والتي تتناقض جوهرياً مع صناعة استراتيجيات قابلة للديمومة، ومبنية على الاعتراف المتبادل بمكانة الخصوم ومصالحهم، في نظام دولي تعقّدت خارطته عما كانت عليه بعد الحرب العالمية الثانية، فقد دخل لاعبون آخرون إلى مركز الثقل في هذا النظام، ولم يعد بالإمكان تجاهل دورهم، خصوصاً الصين، والتي تتابع عن كثب مساعي ترامب لكسب انتصار في وقف الحرب الأوكرانية، بينما تسعى بكين إلى إعادة ترتيب أوراقها مع أوروبا التي باتت أقل تفاؤلاً بمتانة علاقاتها مع واشنطن.
إذا كانت الحرب الروسية الأوكرانية بما أنتجته من وقائع، وما أضاءت عليه من تحوّلات، قد كشفت عن إمكانية عودة الحروب الكبرى، وأن حدوثها لم يعد من الماضي، إلا أنها يمكن أن تكون بمثابة فرصة لجميع الأطراف، لصياغة عقد جديد فيما بينها، ليس من أجل تلافي إمكانات نشوب حروب أخرى فقط، بل لأن تكلفة عدم إنجاز هذا العقد قد تكون أكبر مما تتحمّله القوى المنخرطة فيه، إذ إنه من غير الممكن لسفينة الأمن والسلم العالميين أن تنجو وسط بحر متلاطم من أمواج التناقضات التي تعصف بالعلاقات بين الدول الكبرى.