خالد عبدالله سيار الحوسني*
في عالم تتصاعد فيه الصراعات الفكرية والسياسية وتتنازع فيه أصوات التطرف والانفتاح المفرط، تظل حاجة المجتمعات إلى بوصلة تحفظ توازنها واستقرارها أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، الوسطية ليست مجرد شعار أخلاقي، بل إطار عملي متين يستند إلى قول الله تعالى: ﴿وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا﴾ «البقرة: 143»، إنها آية تختصر فلسفة البناء الاجتماعي المتوازن، حيث لا إفراط يفضي إلى الانغلاق ولا تفريط يؤدي إلى الذوبان. وقد أشار ابن كثير في تفسيره إلى ذلك بقوله: «وقد اجتمعت في هذه الأمة الفضائل كلها، فليس فيها غلو في الدين ولا تساهل في الحق، بل هي أمة قائمة على الاعتدال والوسطية في جميع أمورها».
تعدد الأطياف.. الإسلام، الأديان والعلمانية
الواقع الإنساني، سواء في الفضاءات الدينية أو العلمانية، يظهر أطيافاً مختلفة من الممارسة الفكرية يمكن تصنيفها في ثلاث اتجاهات رئيسية:
• المتشددون: يلتزمون بالنصوص أو المبادئ بجمود ويرفضون أي اجتهاد أو حوار، مما يؤدي إلى صدام مستمر مع الآخر. وهذا التشدد قد يجعل الفئات الضعيفة في المجتمع –ولا سيما ضحايا التنمّر، سواء الديني أو العلماني– أكثر عرضة للاستقطاب الخارجي.
• المفرطون في المرونة: يسعون إلى الانفتاح بلا حدود، ما يضعف الهوية والثوابت الأساسية، مثال ذلك بعض الحركات التي تتخلى عن قيمها التاريخية والدينية بحجة التطور وتتبنى كل ما يأتي من الخارج دون تمحيص، مما يُفقد المجتمع تماسكه وهويته الأصيلة.
* الوسطيون: يمثلون الفئة الأقدر على إدارة التنوع وبناء السلم الأهلي، يوازنون بين النص والعقل وبين الثوابت والمتغيرات، هذه الفئة هي التي قادت نهضات حضارية عبر التاريخ، مثلما حدث في العصر الذهبي للحضارة الإسلامية، حيث استوعب المسلمون علوم وفنون الأمم الأخرى وطوّروها بما يتوافق مع قيمهم.
وهنا تجدر الإشارة إلى أن العلمانية لا تعني بالضرورة اللادينية، فقد يكون الشخص علمانياً في نظرته لعلاقة الدين بالسياسة، لكنه في الوقت نفسه مؤمناً ملتزماً في حياته الشخصية وهذا يميزها عن اللادينية التي تقوم على رفض المرجعية الدينية كلياً أو جزئياً
غياب الوسطية.. مخاطر الفوضى والتفكك
حين تغيب الوسطية، يصبح المجتمع عرضة لثنائية خطيرة:
* هيمنة التشدد: التي تولّد التطرف والعنف والإقصاء، كما شهدته بعض الدول التي غلبت فيها الخطابات الأصولية الصدامية.
* هيمنة الانفتاح المفرط: التي تفكك الهوية وتؤدي إلى الذوبان في ثقافات أخرى، وهو ما شهدته مجتمعات فقدت ثوابتها أمام موجات العولمة.
التاريخ الحديث يكشف أن المجتمعات التي لم تستطع بناء معادلة التوازن بين هذين القطبين، دخلت في دوامة من الصراعات الداخلية وعدم الاستقرار السياسي والاجتماعي.
الوسطية ودور الشباب في العصر الرقمي
تتجلى أهمية الوسطية بشكل خاص في حماية الشباب من تحديات العصر الرقمي، ففي ظل سيولة المعلومات، قد ينجذبون إلى التطرف الذي يمنحهم شعوراً زائفاً بالقوة والانتماء، أو إلى الانفتاح المفرط الذي يفقدهم هويتهم ويوقعهم في تيه فكري، الوسطية هنا توفر للشباب مساراً آمناً يجمع بين الاعتزاز بالهوية والقدرة على التفكير النقدي، مما يحصنهم ضد الوقوع في فخ الانغلاق أو الذوبان.
الوسطية.. الجسر المشترك بين الأطراف
في ظل هذا الانقسام، يبرز الوسطيون كجسر حقيقي، فهم القادرون على التقاطع مع الطرفين:
* يجمعون بين العقلانية التي يسعى إليها المفرطون.
* وبين الحفاظ على الثوابت التي يتمسك بها المتشددون.
هذا التقاطع يجعل الوسطية عامل ربط يحول الاختلاف إلى طاقة إيجابية ويعيد تشكيل الانقسام إلى تنوع مثمر.
مأسسة الوسطية.. خطوات عملية
إن الوسطية ليست مجرد فكرة نظرية، بل يجب أن تتحول إلى منهج عملي متجذر في مؤسسات الدولة. يمكن تحقيق ذلك من خلال:
1. التعليم: إعادة صياغة المناهج الدراسية لتشمل قيم التسامح والحوار وتدريس تاريخ الحضارة الإسلامية من منظور وسطي يبرز إنجازاتها في العلوم والفنون، بعيداً عن النزعات الإقصائية، مع الموازنة بين الثوابت التي تحفظ الهوية والمتغيرات التي تواكب العصر.
o مثال: التجربة الماليزية في إدماج قيم التعددية الدينية ضمن المناهج التعليمية.
2. الإعلام: إنشاء منصات ومبادرات رقمية تدعم الخطاب الوسطي وتستقطب الشباب وتفكك الأفكار المتطرفة بمحتوى بديل جذاب.
3. المؤسسات الدينية والثقافية: دعم المؤسسات الرسمية والمراكز الفكرية لتكون بؤراً للإشعاع الوسطي.
4. التشريعات: مراجعة القوانين لضمان حماية التعددية الفكرية ومنع التحريض على الكراهية، مع الحفاظ على قيم المجتمع الأساسية.
مثال: القوانين الإماراتية لمكافحة التمييز والكراهية (2015).
ختاماً، الوسطية ليست مجرد حلٍّ وسط بين الإفراط والتفريط، بل بَوْصلة استقرار وضمانة لتنمية متوازنة، تحوّل التنوع من تهديد إلى طاقة إيجابية.
إنها خيار استراتيجي للدول، يجب أن يُترجَم إلى سياسات تعليمية وإعلامية وتشريعية وثقافية، فالمجتمعات التي اعتمدت الاعتدال والتسامح والهوية المنفتحة –مثل الإمارات وماليزيا– نجحت في تعزيز مكانتها وحماية مكتسباتها وعلى الحكومات اليوم أن تدرك أن الاستثمار في الوسطية هو استثمار في الأمن والاستقرار المستدام، وأن تحويلها إلى استراتيجية وطنية هو السبيل الأمثل لمواجهة التطرف والانفتاح المفرط.
*ماجستير في السياسة والتجارة الدولية