ربما، وفي حدود قراءاتي ومعرفتي بالقليل من آداب الشعوب، لم يضع أحد غير الصينيين تعاليم شعائرية، أو حتى روحية لفن كتابة الشعر، وتعود هذه التعاليم إلى قرون ما قبل الميلاد، وقد قرأت في مقدّمة كتاب «فن الكتابة» لتوني بارنستون، وتشاو بينغ (ترجمة: د. عابد إسماعيل) أن «التاويين» يعزون قوى خارقة للشعر «غير أن طريقتهم أكثر جوّانية وعرفانية»، والمقصود هنا طريقتهم في كتابة الشعر أو في الكتابة عموماً، و«التاوية» كما يعرف القارئ أحد المكوّنات الرئيسية في الفكر الروحي الصيني القديم والحديث.
من بين تلك التعاليم أن الكتابة متعة، لذلك يمتهنها القدّيسون والمفكرون، والكاتب كما جاء في استهلال فن الكتابة «يبتكر حياة جديدة في الفراغ، ينقر على الصمت لكي يصنع صوتاً، يثبّت المكان والزمان على صفحة من حرير، ويسكب نهراً من قلب صغير الحجم».
في هذه الحالة، تقترب الكتابة من الحالة الدينية التي تشبع قلب الإنسان وروحه، فلم تعد الكتابة وظيفة أو حرفة أو مهنة، بل تصبح لحظة خشوعية، شعائرية يقبض عليها الكاتب كما يقبض المؤمن على يقينه.
ولكن ماذا بشأن الشعر مرة ثانية؟ إنه بحسب تلك التعاليم «شبكة مضيئة من العواطف»، ولكننا لا نتعلم من الصينيين فن كتابة الشعر فقط، بل ونتعلم أيضاً فن المقال. يسمّونه المقال الموزون، وعليه أن يكون «واضحاً ومتماسكاً بوصفه شرحاً».
ماذا عن «المرثية»؟ إنها تشابك مؤلم من الحزن؟ وماذا عن «الأنشودة»؟ إنها لطيفة في نبرتها وسلسة في أسلوبها. وماذا عن المذكرات المرفوعة إلى الملك؟ يجب أن تكون مناسبة وواضحة.
لا يفوت الصينيين تعليمهم لنا فناً آخر في الكتابة، وهو«التنقيح». اقرأ هذه الأفكار الرائعة التي تعود إلى آلاف السنوات في ماضي الذاكرة الصينية، ولكنها تصلح لأي كاتب الآن في القرن الحادي والعشرين. يقول الكتاب: «يمكن للجملة أن تناقض ما سبقها أو تنتهك ما يليها، وأحياناً تكون الفكرة جيّدة غير أن الكلمات تخونها، ويمكن للكلمات الجيدة أن تكون بلا معنى. في حالات كهذه من الحكمة أن تفرّق بين الجملتين بما أنهما يضرّان ببعضهما إذا وضعتا معاً».
وضعت تعاليم الكتابة الصينية هذه في قوالب شعرية، ولا توحي لك بأنها صارمة أو نهائية، فهي مجرّد تعاليم آتية من منبع واحد هو الرّوح.
«التنقيح» في زماننا هذا، ربما نسّميه العمل على الجملة في الكتابة لكي تكون بناءً متماسكاً، لا ثغرات فيه، ولا خلخلة أو رجرجة، أو هلهلة، وهو الأمر الذي يلاحظه القارئ قبل الكاتب، ذلك أن القارئ هو الذي يتلقّى الكتابة، والمتلقي يشبه متذوّق الحساء أو الطعام. لديه حاسّة شمّ قوية، ولسان ملكي يميّز بين الأرز المطبوخ، والأرز المقطّر.
الكثير من ذوّاقة الأكل لا يحبون المطبخ الصيني المركب من آلاف الكائنات المعروفة وغير المعروفة، لكن مطبخ الكتابة في أقصى شرق الأرض له مذاق الشعر معقوداً بالفلسفة.
[email protected]