البعض يغير هاتفه كل عام تقريباً، لكننا نتردد في إلغاء اشتراك لا نستفيد منه لأننا «دفعنا فيه الكثير»، ونواصل مشروعاً خاسراً لأن «الوقت الذي أنفقناه لن يضيع سدى»، ونبقى أحياناً في علاقة عمل أو شراكة لم تعد مناسبة بحجة أن «التاريخ بيننا طويل». هذا الميل إلى الاستمرار فقط لأننا استثمرنا مالاً أو وقتاً أو جهداً في الماضي يسمى مغالطة التكلفة الغارقة، وهو نوع من التحيز يجعل قرار اليوم أسيراً لقيود الأمس بدل أن يكون تابعاً لفائدة الغد.
لو نظرنا للأمر بشكل عام، فإن ما أنفقناه أصبح غير قابل للاسترجاع، والسؤال العقلاني الوحيد هو: ماذا يكسبنا أو يخسرنا الاستمرار من الآن فصاعداً؟ لكن العقل لا يعمل دائماً بهذه البساطة، حيث ترتبط الاستثمارات الماضية بهويتنا وصورتنا عن أنفسنا، فنفضل مواصلة الطريق لئلا نعترف داخلياً بأن الاختيار السابق كان خاطئاً، أو لأننا نخشى الحكم الاجتماعي الذي يساوي بين التراجع والهزيمة.
اكتشفت هذا النمط بعد أن قرأت عن تجارب نفسية تشرح هذه المغالطة، ففي دراسة منشورة عام 1985 في مجلة «السلوك التنظيمي وعمليات اتخاذ القرار البشري» بعنوان «سيكولوجية التكاليف الغارقة» للباحثين هال آركس وكاثرين بلومر. وفي التجارب، عرض على المشاركين سيناريوهات استثمار واتخاذ قرار بعد ظهور معلومات جديدة أقل تفاؤلاً، فكان من يميلون إلى الاستمرار في المشروع أكثر تأثراً بمقدار ما صرف سابقاً لا بالعائد المتوقع مستقبلاً، أي أن المال أو الجهد المنقضي دفعاهم إلى التزام أكبر حتى حين لا تبرره المعطيات الحالية التي عندهم.
كيف نترجم هذا الفهم إلى قرارات يومية أفضل؟ أول خطوة هي فصل الماضي عن المستقبل، اسأل نفسك قبل كل قرار متابعة أو انسحاب: لو بدأت من الصفر الآن، وبنفس المعلومات الحالية، هل كنت سأختار الاستمرار؟ بدل لغة التبرير، استبدل «لا أريد أن يضيع ما دفعته» بسؤال «ما العائد المتوقع من الاستمرار مقارنة بخيارات بديلة؟» ثالثاً، اقترح وضع نقاط مراجعة مسبقة تتخذ عندها قراراً مبنياً على مؤشرات محددة، كي لا يصبح الحماس الأولي أو الاعتزاز بالالتزام سبباً في تمويل الخسارة وقتاً أطول. وأخيراً، عامل التراجع كمهارة لا كوصمة عار، فالانسحاب الذكي يحفظ الموارد لأمور قد تكون مفيدة أكثر، ويمنحك حرية إعادة التوجيه بدل البقاء رهينة لما لا يعود صالحاً.
إن التحرر من مغالطة التكاليف الغارقة لا يعني إنكار قيمة المثابرة أو الاستسلام، بل يعني توجيه المثابرة نحو ما يزال منطقياً ومثمراً اليوم، لأن الشجاعة أحياناً تكون في الضغط على زر الإيقاف عندما يجب أن تضغطه.