هناك سؤال قديم جديد، يطرح بين وقت وآخر، وقد كان محل نقاش وحوار دائم، وهو: هل نحن من نختار أفكارنا؟ وتبعاً لمثل هذا السؤال، تأتي تساؤلات أخرى، مثلاً: كيف تأتي الأفكار؟ من أين تنبع الفكرة أو الأفكار؟ هل الفكرة بديهية أم أنها من صنع الإنسان؟ هل هي حتمية أم اختيارية؟... إلخ مثل هذه التساؤلات.
طبيعتنا البشرية تدفع بنا نحو أن الأفكار من صنع الإنسان، ونحن من نولدها، ونحن من يوجدها، ومثل هذا الاستنتاج يعود للغرور، أو الثقة المطلقة بعقولنا، خاصة ونحن نتسلح بالمعرفة والمعلومات، فيكون من البديهي أن الفكرة تتبع هذا المنهج، لكن الحقيقة أن هناك كمّاً هائلاً من الأفكار غير المسبوقة والتي لا علاقة لها بأي من العلم ولا المعرفة، ومع هذا تحضر فجأة في عقولنا، ولم يكن هناك أي مؤشر أو سبب لحضورها، وكأنها فيروس أو نبتة برية، لا نعلم كيف تم غرسها في الأرض، ولا كيف نمت وظهرت.
كثيرون يقولون إن الأفكار نتيجة للقراءة، والتحليل، والتفكير نفسه الذي يتنامى ويتشعب وينمو. وأيضاً يجب ألا ننسى أن عقولنا ليست معزولة، فهي تتأثر بجوانب حياتية كثيرة مثل الثقافة السائدة، والمجتمع المحيط، سواء القريب أو البعيد، وأيضاً اللغة السائدة التي لها دور في تشكيل قوالب وأشكال تفكيرنا، ولا نبالغ عند القول إن الخريطة الجينية التي هي جزء من كل إنسان، هي أيضاً لها دور في طريقة التفكير وإنتاج هذا التفكير. لذا، يصح القول إن الفكرة التي تعتقد بأنك أنت من أوجدها واخترعها إنما هي بذرة غرست في وقت ما خلال مراحل عمرك، إما من مقال قرأته، أو مقطع فيديو شاهدته، أو معلومة مرت بك، اختزلها عقلك وخزنها ثم بعد مدة من الزمن أعاد إنتاجها. يقول البعض بأنه يجب أن تعامل الأفكار مثل معاملة الكائنات الحية، التي تسعى للبقاء والتكاثر، وهذا التعامل من شأنه أن يكون كفيلاً بتطوير أفكارك ونموها بشكل إيجابي، لأن الأفكار الطموحة الواعدة لا تذهب إلا نحو العقول الأكثر قدرة على الفهم والتعامل معها بمهنية وذكاء.
نحن لسنا مسلوبي الإرادة، بل إننا ننتج الأفكار، وبمعنى أدق، الاختيار هنا للفكرة لا يتم مثلما نختار ملبساً من دولاب ملابسنا، أو مثلما نختار وجبة طعام من قائمة الطعام، بل نختار الطريقة والهدف، مثلما يختار ربان السفينة أو كابتن الطائرة، أو قائد المركبة الطريق المناسب للوصول نحو وجهته بسلامة وفي أقصر مدة زمنية ممكنة.