يضع الباحث وعالم الفيزياء الروماني باساراب نيكوليسكو معادلة خفيفة نظيفة في الشعر من ثلاث كلمات يسمّيها معادلة سحرية، يقول: «علم + حب= شعر»، ويقول في مكان آخر في كتابه العلمي والأدبي في آن «أطروحات شعرية»: إن النظريات الشعرية هي ثروته الوحيدة، وهو يمنحها إلى الأغنياء، أما الفرنسي إميل سيوران، فيقول إنه لا يعرف رؤية واحدة للشعر مرضية بشكلٍ كامل غير رؤية الشاعرة الأميركية إيميلي ديكينسون (1830 - 1866)، فهي تقول إنها أمام قصيدة حقيقية يصيبها البرد حدَّ أنها تتصور أنْ لا نار تستطيع تدفئتها بعد ذلك.
ويمكن الإضافة على شعور إيميلي ديكينسون بالبرد أمام قصيدة حقيقية- أن الشعر إذا كان حقيقياً مرة أخرى فإنما يشعرك بأنك إنسان مكتمل الحواس والعواطف، تعطش، تجوع، تحن، تغضب، تلعب، تحلم، تبكي، وما إلى ذلك من مشاعر الإنسان السوي، الصحّي.
عدتُ إلى قراءة نيكوليسكو، وسيوران، كما عدتُ أيضاً إلى تأملات ماكس بيكارد في كتابه العذب «الإنسان واللغة» وهو يقول: «الشعر يجعل الأرض أخفّ وذلك برفعه الأشياء إلى أعلى.. إلى نفسه».
كان لا بد من العودة إلى هذه التأمّلات في الشعر حين تعرف أن الشعر سَيُقرأ بثماني لغات في الشارقة خلال فعاليات معرض الشارقة الدولي للكتاب، فإذا كان الشعر وبلغة واحدة يشعرك بالبرد والدفء والصداقة والرفق والطمأنينة والخجل والنعومة، فما الذي تفعله في قلبك وعقلك ثماني لغات، أي بكلمة ثانية، ثماني حضارات، وثمانية أمزجة شعرية من الشرق والغرب، حيث يتكثف العالم كلّه في القصيدة الواحدة؟ هذه المرة في معرض الشارقة الدولي للكتاب يُشكّل الشعر فضاءً إنسانياً ومشتركاً في آنٍ. إنه تحية كونية للمعنى الحقيقي لمفاهيم ومصطلحات من مثل الحوار، والتعايش، وقبول الآخر والاحتفاء بجماليّاته الشعرية والأدبية بعيداً عن التنظيرات والأيديولوجيا، والانغلاق الأناني على الذات.
الشعر لا يعرف النرجسية ولا يعرف ثقافة الاستقواء أو ثقافة المركز والهامش كما يشاع عادة في الخطابات النظرية المستهلكة، والشعر لا يعرف الحدود والفوارق والفواصل، ذلك لأن الشعر الحقيقي الذي أشارت إليه إيميلي ديكينسون الأصل فيه اللغة، فقط اللغة، وليس العِرْق، أو الجغرافيا، أو الانتماء الإثني أو الهوى، أو التعصّب، فهذه كلها في النهاية فضاءات ثقافية مؤدلجة تنفى عن الشعر حقيقته الإنسانية المتمثلة فقط في الحب، وتداعياته الجميلة كلّها.
[email protected]