حسام ميرو
كشفت وثيقة «الاستراتيجية القومية الأمريكية» التي أعلنت في الرابع من ديسمبر/ كانون الأول الجاري، عن تحوّل نوعي في الطريقة التي تريد واشنطن من خلالها إدارة موقعها العالمي، فعلى الرغم من كون هذه الوثيقة تعتبر جزءاً من دورة سياسية معتادة، إلا أن مضمونها ولغتها يمنحانها طبيعة مختلفة، إذ إن الوثيقة تعرض المصالح الأمريكية هذه المرة بلا غطاء قيمي، وبمستوى غير مسبوق من المكاشفة، فبينما اعتادت الولايات المتحدة عبر عقود طويلة وضع خطاب القيم والديمقراطية في واجهة سياستها الخارجية، تُسجّل الاستراتيجية الجديدة انتقالاً صريحاً نحو خطاب يقوم على مركزية المصلحة الداخلية، وإعادة تعريف الحلفاء، وتحديد ساحات النفوذ، واعتبار القوة الاقتصادية والتكنولوجية أساساً لهندسة النفوذ العالمي.
تحمل الوثيقة تخلياً واضحاً عن مفهوم «القيادة العالمية» المتكرر في الوثائق الدورية السابقة ل«الاستراتيجية القومية الأمريكية»، فهي تشير بوضوح إلى أن أولوية الأمن القومي تبدأ من الداخل وليس من الخارج، وأن أمن الحدود، واستعادة القدرة الإنتاجية، والحدّ من الهجرة غير الشرعية، وتعزيز الاستقلال الاقتصادي، هي مفاتيح القوة الأمريكية في المرحلة المقبلة، بحيث تُعاد صياغة السياسة الدولية وفق ترتيبات تسمح لواشنطن بالتحكم بمسارات القوة الاقتصادية والتكنولوجية، حتى لو جاء ذلك على حساب خطابها القيمي التقليدي.
وفي العلاقة مع أوروبا، تتجلى المصالح العارية بعيداً عن أية مواربة، أو حساب للتحالف التاريخي عبر الأطلسي، حيث تستخدم لغة غير مسبوقة في وثيقة رسمية أمريكية من هذا النوع حين تتحدث عن خطر «المحو الحضاري» الذي يتهدد القارة إن لم تعالج أزماتها السياسية والديمغرافية، وهذه اللغة تعكس وضعاً جديداً ترى فيه واشنطن نفسها أقل التزاماً ببناء مظلة أمنية غير مشروطة لأوروبا، فالاستراتيجية تُعلن صراحة أن على الأوروبيين تحمّل مسؤولياتهم الدفاعية، وأن «حلف الناتو» غير قابل للتمدد إلى ما لا نهاية، وأن التزامات الولايات المتحدة لا يمكن أن تُفهم بعد اليوم باعتبارها ثابتاً أخلاقياً، وإنما سيتم تحديدها وفق منطق ما تدره على واشنطن من مردود، وبناءً على ذلك، فإن العلاقة عبر الأطلسي تصبح علاقة وظيفية أكثر من كونها رابطة قيم مشتركة، وبذلك يتحوّل التحالف التاريخي من إطار حضاري إلى عقد تفاوضي محض.
أما الشرق الأوسط، الذي كان لعقود طويلة مسرحاً رئيسياً للسياسة الأمريكية، فتتحدث الوثيقة عنه بلهجة لا تخفي تراجع مركزيته، إذ تؤكد أن زمن انشغال واشنطن اليومي بالمنطقة قد انتهى، وأن الظروف الاقتصادية والطاقة والتحولات الاستراتيجية قلّلت من ضرورة وجود شكل من أشكال الالتزام الكثيف فيها، ما يحولها إلى ساحة تُدار بمنطق إدارة المخاطر، ومنع الفراغ الذي قد تستفيد منه قوى منافسة، وليس بمنطق إعادة الهندسة السياسية أو حمل مشعل الديمقراطية.
وفي إعادة ترتيب الأولويات الجيوسياسية، تُبرز الوثيقة رؤية أكثر جذرية لهذا التحوّل، إذ تمنح نصف الكرة الغربي، بما فيه أمريكا اللاتينية ومنطقة الكاريبي، موقعاً يتقدم على أوروبا والشرق الأوسط وحتى أجزاء من آسيا، ويعيد هذا الترتيب إحياء جوهر «مبدأ مونرو» بصيغة جديدة، حيث يُنظر إلى الجوار القريب بوصفه الفضاء الحيوي الأول للأمن القومي، واعتبار أي نفوذ غير أمريكي فيه بمثابة تحدٍّ مباشر لواشنطن، أما الصين، فتبقى التحدي الأبرز، لكن من منظور اقتصادي وتكنولوجي، من دون أي منظور أيديولوجي، حيث تعلي الوثيقة من شأن استقلالية سلاسل التوريد، والسيطرة على التكنولوجيا المتقدمة، والتحكم في الصناعات المستقبلية، ما يجعل التنافس مع بكين أقرب إلى صراع على البنية التحتية الاقتصادية للعالم، وهذا بدوره يُعبّر عن انتقال واضح وربما شبه محسوم من نموذج العولمة المفتوحة إلى نموذج العولمة المشروطة، التي تضع أمن الاقتصاد الأمريكي فوق قواعد السوق العالمية، وتمنح الدولة دوراً مباشراً في هندسة العلاقات الاقتصادية الدولية.
على المستوى العسكري، تتخذ الوثيقة منحى موازياً في الصراحة، إذ تعيد تعريف الردع بصورة تتجاوز المفهوم التقليدي القائم على منع الخصم من الفعل. فالوثيقة تتحدث عن القدرة على العمل قبل وقوع الأزمة، وعن عمليات مركّبة تمتد من الفضاء السيبراني إلى الفضاء الخارجي، وعن بناء شبكات تحالف مرنة قادرة على التحول السريع وفق طبيعة التهديد، واللافت أن هذه الرؤية العسكرية لا تركّز على التحديات القائمة وحسب، وإنما تقوم على تصور استباقي يموضع القوة العسكرية كأداة مباشرة لإدارة النفوذ الاقتصادي، من دون وجود موجبات سياسية أو سياق قانوني للتدخّل العسكري، وهو الأمر الذي يبدو واضحاً في سياق التهديدات الأمريكية المباشرة لفنزويلا.
إن الاستراتيجية الجديدة للأمن القومي الأمريكي تضع حداً فاصلاً بين زمنين، زمن كان فيه تحقيق المصالح الأمريكية يحتاج إلى سياق تبريري قيمي/ أخلاقي، وبين زمن جديد، يصبح فيه ميزان النفوذ قائماً على ما يمكن تحصيله، من دون أدنى اعتبار لفكرة الشرعية، كما يصبح العالم مجرد شبكة حسابات وظيفية، خالية من القيم، في نظام دولي يفتقد إلى التفاهمات الكبرى، وينتكس إلى الخطابات القومية والشعبوية من جديد.