الدولة.. من السياسة إلى الإدارة

00:32 صباحا
قراءة 3 دقائق

حسام ميرو

لم يعد النقاش حول الدولة المعاصرة يقتصر فقط على قدرتها أو عجزها، لكنه تحوّل، ربما بنيوياً، إلى نقاش يطال طبيعة المنطق الذي يحكم عملها، فالدولة اليوم، في كثير من التجارب، لا تبدو غائبة أو منهارة، وهي حاضرة بكثافة في تفاصيل الحياة اليومية، لكنها حاضرة بوصفها إدارة وجهازاً للتنظيم لا سياسة، وهذا الحضور الكثيف لا يعكس قوة سياسية بقدر ما يعكس توسعاً في الوظيفة الإجرائية، حيث يجري استبدال السؤال عن الاتجاه والمعنى بمنطق الكفاءة والاستقرار وتقليل الخسائر.
تاريخ نشأة الدولة الحديثة مرتبط بشكل وثيق بالسياسة، أي بوصفها تكثيفاً للصراعات الاجتماعية والتاريخية حول السلطة والتمثيل والموارد والهوية، وبهذا المعنى فإنها لم تنشأ كجهاز إدارة للخدمات العامة، تقتصر وظيفتها على مدى قدرتها على تلبية هذه الخدمات، كما أن استمرارها بالمعنى الفعلي لا يقتصر على هذا الجانب المؤسساتي بطبيعة الحال، لكن بقدرتها على السيادة، التي تشكّل وفق المفكر الألماني كارل شميت، الاختبار الحقيقي للدولة، وهذا مرتبط بالمنطق السياسي الذي تعرّف الدولة نفسها من خلاله، وليس انطلاقاً من جانبها المؤسساتي الإداري وحده.
مع تراكم الأزمات العالمية، الاقتصادية والبيئية والأمنية، لم تعد الدولة تميل إلى حلّ الأزمات بوصفها استحقاقات سياسية، وباتت تتعامل معها على أنها مشكلات تقنية محضة، الأمر الذي خفّض السياسة إلى موقع أدنى من موقع الإدارة، وبناءً على ذلك، فإنه أصبح شائعاً انتشار خطاب موجه من قبل الدولة، يعتمد على مؤشر منع الانهيار، وليس على مؤشر قدرتها على فتح آفاق سياسية واجتماعية، لمعالجة الاختلالات البنيوية في المجتمع. وهكذا، يصبح الفعل السياسي هو فعل الضرورة، وليس فعلاً قائماً على الحرية والمبادرة، ويتحوّل المواطن من فاعل رئيسي في المجال العام إلى موضوع للتنظيم والضبط.
في عالمنا العربي، يكتسب هذا التحوّل طابعاً أكثر حدّة، لأنه لم يحدث نتيجة تطور تاريخي من دولة سياسية إلى دولة إدارية، أو في سياق تكامل منطقي السيادة والتنظيم، وإنما نتيجة للغياب المزمن للسياسة، فالدولة العربية الحديثة، في معظم نماذجها، لم تُبنَ على عقد اجتماعي واضح ولا على تمثيل فعلي للإرادة العامة، بل على منطق السيطرة والهيمنة من أعلى، وبهذا المعنى، لم تكن الإدارة نتيجة لتراجع السياسة، وإنما استعاضة عنها منذ البداية، ما جعل الدولة جهازاً فوق المجتمع، بدلاً من أن تكون تعبيراً عنه.
في هذا السياق، أشار المفكر ياسين الحافظ مبكراً إلى أن أزمة الدولة العربية ليست أزمة أدوات أو كفاءة، بل أزمة مشروع تاريخي، معتبراً أن «الدولة التي لا تنتج معنى وطنياً جامعاً ولا تؤسس شرعيتها على المشاركة تعجز عن التحول إلى دولة سياسية بالمعنى الحديث»، وفعلياً هذا هو السياق الذي جرى فيه التعامل مع الصراعات الاجتماعية والطائفية والاقتصادية بوصفها اختلالات يجب ضبطها، والتنكّر لجوهرها السياسي، ولضرورة حلّ تناقضاتها بأدوات السياسة، لا بأدوات الضبط الإداري، وعلى المنوال ذاته، شهدنا خلال العقد ونصف العقد الماضيين، إدارة الحروب بدل حلّها، وتنظيم الانقسامات لا معالجتها، واحتواء الفقر بدلاً من التعاطي معه بوصفه جزءاً من قضية العدالة الاجتماعية.
ومع تضخم هذا المنطق، أصبحت الدولة بارعة في إدارة الاستثناء، لكنها في الوقت ذاته، عاجزة عن تحويله إلى لحظة تأسيس سياسي جديدة، فالاستثناء، كما عند شميت، يكشف جوهر السيادة، لكنه هنا تحوّل إلى نمط حكم دائم تُمارَس فيه السلطة من دون مساءلة فعلية، وتُفرَّغ فيه السياسة من مضمونها، تحت عنوان الاستقرار، لكن من دون أي اعتبار لمخاطر هكذا استقرار ناتج عن تأجيل الأزمات لا على معالجتها بشكل جذري.
ويمكن قراءة هذا المسار أيضاً في ضوء تحوّل عام دولياً من منطق السيادة إلى منطق الإدارة الحكومية، أي إدارة السكان عبر تقنيات الضبط والمعرفة والتنظيم، غير أن هذه التقنيات مع انفصالها التدريجي عن السياسة والتمثيل والمساءلة، أصبحت أداة لتقليص مساحات الحرية والتعبير، أو إفقاد هذين المفهومين معناهما السياسي، وبالتالي، إعادة إنتاج السيطرة بأدوات أكثر نعومة، في دولة تحوّلت إلى شبكة إدارة من دون أفق سياسي.
إن السؤال السياسي الذي يمكن لطرحه أن يكشف لنا جوهر هذا التحوّل هو سؤال المعنى، هذا السؤال الذي كاد أن يختفي في عالم الدول، فما نراه اليوم في الإدارة الأمريكية الحالية، على سبيل المثال لا الحصر، هو تغليب لمنطق الإدارة بالصفقات، بعيداً عن المعنى السياسي الناتج عن الحلول التي تطرحها الصفقة، أو الكوارث التي يمكن أن تنشأ نتيجة لإبرامها، وهو ما شهدناه في أوكرانيا وغزة.
من المؤكد أنه حين تُفرَّغ الدولة من بعدها السياسي، يصبح التنبؤ بالمستقبل مجرد تكهنات. إن استعادة منطق الدولة بوصفها كياناً سياسياً لا تعني رفض الإدارة، إنما الإشارة إلى المخاطر الكارثية في حال عدم إخضاع الإدارة نفسها لإرادة عامة، وربطها بخيار سياسي واضح.

[email protected]

عن الكاتب

إعلامي

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"