ختمت حكاية الحوار الذي جرى بين جلال الدين الرومي وأحد مريديه، حيث طلب الأخير من شيخه أن يرشده لمعرفة اسم الله الأعظم بأبيات افتتح بها الرومي كتابه الأشهر «المثنوي»، الذي ترجمه وشرحه العلّامة الراحل إبراهيم الدسوقي شتا، وكان نصها:
منذ أن كان من الغاب اقتلاعي
ضج الرجال من صوت التياعي
«أبتغي صدراً يمزقه الفراق كي أبث آلام الاشتياق»
ثم استكمل الرومي، الذي اشتهر في الغرب خصيصاً بلقب «مولانا»، على لسان الناي:
«كل من يبقى بعيداً عن أصوله لا يزال يروم أيام وصاله
نائحاً صرت على كل شهود وقريناً للشقي وللسعيد
ظن كل امرئ أن صار رفيقي لكنه لم يبحث من داخلي عن أسراري
وليس سري ببعيد عن نواحي لكن العين والأذن قد حرمتا هذا النور
وليس الجسد مستوراً عن الروح ولا الروح مستورة عن الجسد لكن أحداً لم يؤذن له بمعاينة الروح».
والأبيات بعد ذلك طويلة في مطلع الجزء الأول من «المثنوي» الذي هو ستة أجزاء.
ثم إنني قد حضرت ذات مرة في استانبول حضرة مولوية، وسألت عن سر الناي عندهم، إضافة لما كتبه جلال الدين على لسان الناي، فقيل لي إن فتحات الناي تتشابه مع فتحات جسم الإنسان مثل الأنف والفم في كونها ممرات هوائية، وأن الناي يصدر نغمات عبر التحكم بالأصابع في ثقوبه، بينما ينتج جسم الإنسان الصوت عبر الحنجرة ويتحكم في تدفقه بالفم والأنف، وكلا الناي وجسم الإنسان يُعتبر أنابيب تحتاج إلى مجرى لإخراج الصوت، هو تجويف الفم في الإنسان، والأنبوب القصبي في الناي، ثم إن الأنين وألم الفراق يجمعان بينهما، ومثلما يحتاج الناي إلى النفخ فيه كي يصدر صوتًا كذلك الإنسان الذي لم يكن ليحيا أو يعبر عن وجوده إلا بالروح التي نفخها الله فيه، وكلا الطرفين: الناي والعازف يوصل مشاعر شجية وحزينة تلامس وجدان المستمع.
في المقال المقبل، حديث عن بهاء الدين قراقوش وصلاح الدين الأيوبي.