نشرت مجلة TIME مقالاً هذا الأسبوع، كتبه ريتشارد إيدلمان، الرئيس التنفيذي لشركة Edelman العالمية المتخصصة في الاتصال والعلاقات العامة. المقال يستند إلى نتائج «مؤشر الثقة» الذي تصدره شركته منذ سنوات، ويقدّم قراءة مباشرة لحالة الثقة في العالم اليوم.
الفكرة الأساسية بسيطة لكنها مقلقة: العالم يفقد ثقته بالمؤسسات، والناس ينسحبون إلى دوائرهم الضيقة. لم تعد الثقة عامة تشمل الحكومات والشركات الكبرى، بل أصبحت شخصية ومحلية في ربّ العمل، أو المدير المباشر، أو الدائرة الاجتماعية القريبة. أما المؤسسات الكبرى، فكثيرون ينظرون إليها بشكّ أو حذر.
الأسباب متعددة: العولمة جعلت بعض الفئات تشعر بأنها خسرت فرصها. جائحة «كوفيد» أثارت شكوكاً حول القرارات الحكومية والعلم. الاستقطاب السياسي زاد الانقسام. ومع صعود الذكاء الاصطناعي، ازداد القلق بشأن الوظائف والمستقبل. في الولايات المتحدة، مثلاً، 70% يعتقدون أن الرؤساء التنفيذيين لا يقولون الحقيقة بشأن فقدان الوظائف بسبب الذكاء الاصطناعي.
هناك أيضاً فجوة واضحة في الثقة بين أصحاب الدخلين المرتفع والمنخفض. كثيرون يشعرون بأن النظام يخدم الأغنياء أكثر من غيرهم. هذا الشعور يدفع الناس إلى الانغلاق، ورفض التغيير، وتفضيل «المألوف» على الابتكار. نرى ذلك في تصاعد النزعات الوطنية، وتفضيل المنتجات المحلية على الأجنبية، وتراجع الدعم لبعض السياسات العالمية مثل اتفاقيات المناخ.
الأكثر خطورة هو تراجع التفاؤل. في الدول المتقدمة، فقط 15% يعتقدون أن الجيل القادم سيكون أفضل حالاً. حتى في بعض الدول الآسيوية الصاعدة، انخفض مستوى التفاؤل بشكل ملحوظ خلال عام واحد. عندما يضعف الأمل بالمستقبل، يزداد الميل إلى الحذر والانكفاء.
مع ذلك، لا يقدّم الكاتب صورة سوداء بالكامل، فهو يرى أن هناك فرصة لإعادة بناء الثقة، ويمنح مكان العمل دوراً مهماً في ذلك. بحسب الاستطلاعات، الناس ما زالوا يثقون بأصحاب العمل أكثر من غيرهم. الشركة يمكن أن تكون مساحة آمنة للنقاش الصريح حول قضايا مثل الذكاء الاصطناعي والوظائف وكلفة المعيشة. عندما يكون القادة واضحين وصريحين، وعندما يرى الموظفون أثر القرارات في حياتهم اليومية، يمكن أن تعود الثقة تدريجياً.
لكن المسؤولية لا تقع على الشركات وحدها. القادة المجتمعيون، من أطباء ورجال دين وغيرهم، يجب أن يشاركوا في تعزيز الحوار وتقريب وجهات النظر، فالعزلة الفكرية ليست مجرد اختلاف رأي، بل خطر على المجتمع والاقتصاد معاً.
يطرح المقال فكرة أن الثقة أساس الاستقرار والتقدم. وإذا استمر الناس في الانغلاق داخل دوائرهم الصغيرة، فإن المجتمع سيدفع الثمن. إعادة بناء الثقة تبدأ بالشفافية والحوار والإيمان بأن المستقبل يمكن أن يكون أفضل إذا عملنا معاً بدل أن نخاف من بعضنا البعض..
سلامٌ على الدنيا إذا لم يكن بها
صديقٌ صدوقٌ صادقُ الوعدِ مُنصِفا