عادي
جماليات إسلامية

«الخط العربي»... تجليات الروح بين العين والقلب

00:39 صباحا
قراءة 3 دقائق

يعتبر فن الخط العربي من أسمى التجليات البصرية للغة، التي جمعت بين الدلالة والمعنى من جهة، وبين الإيقاع الشكلي والتناغم البصري من جهة أخرى، ليغدو حاملاً للجمال والحكمة والمعرفة في آن واحد، فمنذ ارتبط الحرف العربي بالقرآن الكريم وبالنصوص الدينية والعلمية، تحول إلى وعاء رمزي يختزن التصور الإسلامي للعالم.

يدعو الخط العربي المتأمل إلى إبطاء نظراته أمام اللوحة، إذ يحتاج المتلقي إلى زمن قصير لالتقاط الكلمات وسط تشابك الحروف وانحناءاتها، ثم لا يلبث أن يستعيد المعنى في ذهنه، ليحضر النص بكل ما يحمله من شروح وسياقات ومعان روحية، وعند هذه اللحظة يتجلى الأثر الثقافي العميق، فاللوحة تتجاوز حد الجمال البصري، لتفتح مساحة تفكير في معان روحانية سامية.
تكوين


في اللوحة التي بين أيدينا للخطاط التركي فرهاد قورلو، والتي خط فيها الآية الكريمة: «رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ»، نجد أنفسنا أمام نموذج مكثف لما يمكن أن يقدمه فن الخط العربي اليوم من جمال ورسوخ روحي في آن واحد، على نحو يذكرنا بالمدرسة العثمانية الكلاسيكية، أول ما يلفت الانتباه في عمل قورلو هو حضور خط الثلث الجلي، بخطوطه العريضة وانعطافاته الرشيقة، وقدرته الفائقة على التشابك وتكوين الكتلة، تتداخل الكلمات في تكوين شبه دائري متماسك، تتعانق فيه الألفات واللامات في جسد واحد، فيبدو النص كأنه «كتلة دعاء» تتوسط اللوحة.
يستثمر الخطاط الحروف الرأسية (الألف، اللام) لصنع إيقاع عمودي يرفع نظر المتلقي إلى أعلى، في انسجام مع طبيعة النص الذي يتوجه إلى العلو الإلهي، في ما تمنح الامتدادات الأفقية في كلمات مثل «من خير» و«أنزلت» و«فقير» نوعاً من الاتزان بين العمودي والأفقي لتتآلف مع مسار بصري أفقي يضبط التكوين، فجعل من استدارة الحروف، ومن الانحناء والاستقامة، أدوات لشرح المعنى، ونلاحظ أن الحروف في اللوحة متقاربة ومتداخلة، تكاد تتكئ بعضها على بعض، وكأنها تجسد حالة التعلق واللجوء، تسند بعضها كما يسند الدعاء من يرجو الخير الإلهي، وهنا يتجاوز الخط دوره الزخرفي ليغدو وسيطاً فكرياً وروحياً، يوصل بين الجمال والمعنى، بين العين والقلب، فالحروف العربية أثر جمالي وتجربة حضور، تعيد الإنسان إلى جوهر العلاقة بين القول والعمل، وبين الفن والحياة اليومية.
زخرفة
التوزيع اللوني في اللوحة جاء مدروساً، ومنحت خلفية اللوحة بلونها العاجي الحبر الأسود حضوراً قوياً، في تضاد حاد بين السواد والبياض، والذي يضاعف من شعور الجلال في النص، ومع أن التكوين جاء مكثفاً ومحملاً بالتشابك، إلا أن العين تجد مرونة في التنقل بين الكلمات في مسار تدريجي، من أعلى اللوحة نحو أسفلها، ومن مركز الكتلة الحرفية إلى أطرافها، في حركة توازي حركة الدعاء من قلب المؤمن إلى السماء.
يحيط بالنص إطار زخرفي بديع، يستدعي تقاليد التذهيب العثماني بما يحمله من توريقات نباتية وأزهار، محاطة بعدة إطارات، الإطار الخارجي بلونه الخمري الداكن داخله أشرطة ذهبية لزخارف نباتية، ثم إطار تقليدي هندسي باللون الأخضر، لتصنع هذه الإطارات طبقات من العمق، كأن المتلقي يعبر من عتبة إلى أخرى قبل أن يصل إلى حرم الآية، بحس تشكيلي معاصر يعرف كيف يخاطب عين قارئ اليوم، من دون أن يقطع صلته بالذائقة التراثية.
وجاءت الزوايا الأربع المزخرفة للوحة بمثابة مفاصل انتقال بين عالمين، عالم الزخرفة الكثيفة على الحافة، وعالم النص الأكثر صفاء في المركز، بألوان ترابية هادئة ولمسات ذهبية، تسهم في سلاسة الانتقال البصري وتمنح اللوحة توازناً، فالتذهيب الذي يغمر الإطار والتفاصيل الزخرفية، يحمل في رمزيته السمو والنور حول النص القرآني، وهو جوهر الرؤية الجمالية في معظم الأعمال الخطية الكلاسيكية.

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"