تتنوع الإبداعات الخطية الإماراتية، سواء على مستوى الأساليب والمواضيع أو من حيث توظيف الخطوط، وهو أمر أنتج الكثير من اللوحات التي تقف شاهدة على قدر كبير من البراعة في صناعة تكوينات ومشهديات بصرية مميزة من الناحية الجمالية، ومحرضة في ذات الوقت على التأمل الذهني.
تُعد الخطاطة الإماراتية ماجدة سليم المازم واحدة من أبرز الخطاطات اللاتي أنتجن لوحات وتكوينات محتشدة بالرؤى الجمالية، وفق أسلوبية يتجلى فيها الإتقان الهندسي، والقدرة على تطويع الحروف الصعبة لتنساب داخل التكوين من دون إخلال بالقواعد التقليدية للخط، والتي ظلت الفنانة ملتزمة بها بشكل كبير في لوحاتها التي تتسم بالتوازن البصري، إذ تظهر أعمالها توزيعاً متوازناً للكتلة والفراغ، وذلك يعود لخبرة الفنانة وتجربتها الطويلة مع الحرف العربي.
ولعل من أجمل اللوحات التي اشتغلت عليها الخطاطة، تلك التي تحمل نصاً قرآنياً، وهي الآية (137) من سورة البقرة: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ»، وهي آية تحمل دلالات ومعاني عظيمة تبيّن قدرة الله تعالى. ومن هذا المنطلق، عملت الفنانة على صناعة لوحة تعبر عن عظمة النص ومضامينه السامية، وذلك ديدن ماجدة التي عُرف عنها ابتكار لوحات تستقي مادتها من القرآن الكريم، والحديث الشريف، والحكم المأثورة، والأشعار، مع توظيف الخطوط الكلاسيكية التي تراها مَعِيناً جمالياً لا ينضب ومتجدداً مع الزمن.كُتبت اللوحة بخط الثلث الجلي، ونجحت الخطاطة في صناعة شكل هندسي دائري، وهو من أصعب القوالب في فن الخط، فالدائرة هنا ليست مجرد إطار، بل هي رمز للانهاية والكمال. استطاعت المازم أن تجعل الحروف تنساب بحرية داخل هذا الحيز الضيق، حيث تترابط كلمات (فسيكفيكهم) في الجزء العلوي لتمثل سقفاً للوحة، بينما تستقر لفظة الجلالة (الله) في القلب كمركز ثقل بصري وروحي. واللوحة تقف شاهدة على البراعة في صناعة التوازن، إذ قامت الخطاطة بملء المساحة الدائرية بالحروف والتشكيلات بالكامل، بجمالية عالية تنم عن مقدرة وتجربة إبداعية.
مشهدية
نجحت الخطاطة في صناعة مشهدية بصرية عالية المستوى، ويتجلى تميز الأسلوب الذي اتبعته في استغلال المرونة العالية لخط الثلث. وبإمكان المشاهد أن يلاحظ «الألفات» الصاعدة التي تمنح اللوحة شموخاً، تقابلها «النونات» و«الراءات» المرسلة التي تعطي التكوين قاعدته الدائرية الرصينة، هذا التضاد بين الاستقامة والانحناء يخلق إيقاعاً بصرياً يشبه الحركة التوجيهية للعين، إذ تبدأ القراءة من اليمين وتدور مع انسيابية الحروف لتكتمل الدورة في الأسفل بدقة إبداعية متناهية، تُسرب إلى نفس المشاهد الطمأنينة والجمال، وكأن الخطاطة تصحبه في رحلة روحية عامرة بالألق.
ملء الفراغات
لعل من أبرز الأبعاد الجمالية في هذا العمل توزيع التشكيل «الحركات الإعرابية والزخرفية». لم تترك الخطاطة فراغات «ميتة»، بل وظفت حركات الفتحة والضمة والسكون، بالإضافة إلى «الرتوش» الجمالية، لملء الفراغات البينية. هذا الامتلاء يجعل اللوحة تبدو ككتلة واحدة متماسكة ومتجانسة، ما يوحي بشكل مباشر بقوة الوعد الإلهي: «فَسَيَكْفِيكَهُمُ»، إذ عملت الخطاطة على إبراز الوحدة الموضوعية بين جماليات التكوين الخطي وعظمة النص القرآني.إن استخدام اللون الأسود الصرف على خلفية صفراء فاتحة يعيدنا إلى جوهر الخط العربي الكلاسيكي، حيث لا تشتت الألوانُ العينَ عن هندسة الحرف، فالخلفية الصفراء التي تمثل نقيضاً للأسود الداكن، تهدف إلى جعل المشاهد يركز على النص وجمالياته دون أن يشغله شيء آخر.
تعبر اللوحة عن حالة من الصمت التأملي، فالجمال هنا نابع من الفعل الإبداعي الذي سكبته الخطاطة، وهو ما يعكس المنهج الأكاديمي الرصين الذي تتبعه المازم في الحفاظ على أصالة الفن الإسلامي. إن اللوحة رحلة بصرية تبدأ من «الفاء» المفتوحة وتنتهي عند «العليم» المستقرة، وبين السطور تبرز مهارة فنانة استطاعت أن تحول الحبر والورق إلى فضاء من الجلال والجمال.