مفاوضات إسلام آباد: صراع حاضر.. وتمثيل ناقص

00:03 صباحا
قراءة 4 دقائق

في السياسة، لا تُقاس اللحظات الكبرى بما إذا انتهت إلى اتفاق، بل بما إذا أجبرت الأطراف على الاقتراب من الخط الذي لا يمكن تجاوزه دون كسر قواعد اللعبة نفسها. وفي إسلام آباد لم تكن الساعات الإحدى والعشرون مفاوضات بالمعنى التقليدي، بل كانت اختباراً مكثفاً لاصطدام الإرادات عند النقطة التي يتوقف فيها التفاوض عن كونه إدارة خلاف، ويبدأ كونه إعادة تعريف للنظام.
لم يكن المشهد دبلوماسياً بارداً، بل سياسياً على أعلى درجاته، إذ جلس نائب رئيس الولايات المتحدة في مواجهة رئيس البرلمان الإيراني ووزير خارجيته، في لحظة لا تُدار فيها التفاصيل بقدر ما تُختبر فيها القدرة على الصمود. لم تكن هذه محادثات خبراء، بل مواجهة دول تُفاوض عبر ذروتها السياسية، لا عبر هوامشها الفنية. لذلك، حين غادر جي دي فانس، لم يكن ذلك انسحاباً من اتفاق، بل انسحاب من وهم أن اللغة وحدها كافية لضبط التناقض.
لكن ما جرى داخل الغرف لم يكن منعزلاً عن الميدان. ففي منتصف التفاوض تقريباً، كان المشهد يتحرك خارج النص، حين جرى تمشيط ممرات مضيق هرمز بالتزامن مع استمرار الجلسات. لم يكن ذلك عنصراً موازياً للتفاوض، بل جزء من هندسته غير المعلنة. كأن الطاولة امتدت إلى البحر، وكأن القوة العسكرية دخلت النص بصمت، لتذكر أن ما لا يُحسم بالكلمة يُدار بالفعل. هنا فقط يتضح أن التفاوض لم يعد فصلاً سياسياً منفصلاً، بل بنية مزدوجة: خطاب يُقال، وواقع يُفرض في اللحظة نفسها.
هذه الازدواجية تكشف الطبقة الأولى من المشهد، أن المفاوضات لم تُجرَ في فراغ دبلوماسي، بل داخل نظام ضغط متزامن، حيث تتحرك القوة واللغة في مسارين متوازيين، يلتقيان فقط عند لحظة القرار.
لكن خلف هذا السطح، تتكشف بنية أعمق للصراع: ليست الملفات المتنازع عليها متساوية في طبيعتها، بل متفاوتة في جوهرها. فالملف النووي، رغم حساسيته، يظل في جوهره ملفاً تقنياً قابلاً للتكييف، إذ أثبتت تجربة الاتفاق النووي الإيراني 2015، أن نسب التخصيب وآليات الرقابة والجداول الزمنية يمكن إعادة هندستها ضمن إطار تفاوضي طويل النفس. إنه ملف يُدار بمنطق الحساب، وكل ما يُدار بالحساب يمكن ضبطه سياسياً.
غير أن ما لا يخضع لهذا المنطق هو ما يتعلق بالبنية السيادية للصراع، وهنا يظهر هرمز، الآن، شامخاً على طاولة المفاوضات، حاجزاً منيعاً لا جسراً كما ودت إسلام آباد.
فبينما تنطلق الولايات المتحدة من مبدأ حرية الملاحة بوصفها قاعدة دولية غير قابلة للاحتكار، تسعى إيران إلى تحويل المضيق إلى مساحة سيادة مُدارة، حيث يصبح المرور ليس حقاً مطلقاً، بل امتياز يخضع لمنطق النفوذ. هنا لا يختلف الطرفان على التفاصيل، بل على طبيعة القاعدة التي تُبنى عليها التفاصيل أصلاً.
وهكذا يتضح أن ما جرى في إسلام آباد لم يكن محاولة فاشلة لإبرام اتفاق، بل بقدر ما كان تأكيداً على طبيعة أكثر تعقيداً في العلاقة بين واشنطن وطهران: قدرة مستمرة على إعادة إنتاج مناطق اختلاف جديدة كلما اقتربت مساحات التفاهم من الاستقرار.
فالصراع بين الطرفين لا يبدو أنه يتحرك ضمن خريطة ثابتة من الملفات، بل ضمن منطق أكثر سيولة، حيث لا تُغلق القضايا القديمة بقدر ما يُعاد توزيعها، وتُستدعى قضايا جديدة عند كل لحظة اقتراب من التهدئة. وبهذا المعنى، لا يعود السؤال متعلقاً بما إذا كان الخلاف حول مضيق هرمز قد حسم أو لا، بل بكيفية تحول الملفات ذاتها إلى أدوات متجددة لإعادة تعريف حدود عدم التوافق.
فالمشهد لا يوحي بأن هرمز كان نقطة البداية أو النهاية، بل بأنه إحدى الطبقات التي أُضيفت إلى صراع يمتلك خاصية التمدد الذاتي، حيث يمكن لكل لحظة تقارب أن تولّد مساحة جديدة للاختلاف، وكل محاولة لإغلاق ملف أن تفتح آخر أكثر حساسية.
ومن هنا، لا يعود الصراع محصوراً في النووي أو الأذرع أو الممرات البحرية، بل في البنية الأعمق للعلاقة نفسها: علاقة لا تتقدم نحو تسوية نهائية، بقدر ما تُعيد تشكيل خرائط خلافها باستمرار، حتى تبدو وكأنها تتحرك في دائرة لا تنغلق، بل تتوسع.
وهكذا، لا يكون السؤال في إسلام آباد لماذا لم يُتفق؟ بل: كيف يمكن لطرفين أن يقتربا من التفاهم، ثم يعيدا تعريف ما يمنع التفاهم من الأساس في كل مرة؟
في ضوء العلاقة المعقدة بين واشنطن وطهران، لا يعود السؤال: لماذا اتفق الطرفان على هدنة؟ بل ما الذي يدفعهما إلى تعليق الصراع مؤقتاً لإعادة ترتيب أدواته؟ وما الذي يُعاد إنضاجه في الظل خلال هذه الفترة قبل أن تُستأنف لغة الضغط بأشكالها التالية لكل طرف؟
العلاقة الأمريكية-الإيرانية لا تفشل بسبب ملف واحد، بل لأنها تنتقل من ملف إلى آخر دون أن تستقر على نقطة تسوية نهائية، وفي وقت يظهر هرمز فيه كأخطر نقطة تماس حالية، يبقى الواقع شاهداً على علاقة مضطربة لا يمكن لها وفق المعطيات الحالية أن تتوافق، فالحرب الأخيرة لم تكن ثنائية بين واشنطن وطهران، فمنذ لحظتها الأولى كانت مواجهة تتجاوز الطرفين إلى شبكة أوسع من الحلفاء والخصوم والوكلاء، بينما اقتصرت الطاولة على طرفين دون تمثيل الصراع المفتوح كما هو، لذا لم يكن للتفاوض أن يحقق «ولادة بعد الإجهاض».

[email protected]

عن الكاتب

كاتبة

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"