«في الحروب، لا يكفي أن تنتصر في الميدان، بل يجب أن تنتصر في القصة التي تُروى عنه».
***
هكذا يُفهم الصراع حين يتجاوز حدوده العسكرية إلى ما هو أعمق: إلى الوعي، حيث لا تُقاس القوة بعدد ما تُطلقه من نار، بل بقدرتك على تشكيل إدراك الآخرين لما يجري.
من هنا، لا يعود الإعلام مجرد ناقل للحدث، بل يصبح جزءاً من هندسة المعنى. وهنا، تحديداً، تبدأ الإشكالية التي تبدو للوهلة الأولى مهنية، لكنها في جوهرها تتجاوز ذلك. ليست المسألة رفضاً لتعدد الآراء، بل على العكس، إن تعددها هو ما يمنح الصورة اكتمالها، ويحرر المتلقي من سطوة الزاوية الواحدة، لكن هذا التعدد، إن لم يُضبط، قد يتحول من أداة كشف إلى منفذ عبور.
هناك ثلاث قوى تحكم هذا التوازن الدقيق: مهنية تدعو إلى الانفتاح، وهوية تحرس سياقها، وتوقيت يفرض منطقه الصارم. حين تعمل هذه القوى بانسجام، يتحقق الفهم، لكن حين يُفتح الباب دون اعتبار للحظة، ودون وعي بمن يدخل منه، يتغير كل شيء.
في أزمنة التوتر، لا تدخل السرديات كآراء بريئة، بل كخطابات مكتملة تسعى لأن تُعيد تعريف المشهد من داخله. لا تقول لك «هذا ما أرى» فقط، بل تهمس بأذنك «هذا ما يجب أن تراه». وهنا يكمن الفارق بين عرض الرأي، وتمكينه. وأسوأ ما فيه حين يتزامن مع توقيت حساس، وعلى منصة لها وزنها وسياقها.
هنا لا يكون الحضور محايداً، بل مشحون بدلالاته، وكأن السردية لا تعبر من الخارج، بل تتسلل من الداخل. وحين يحدث ذلك، لا يكون التلقي مجرد استماع، بل إعادة ترتيب صامتة للمعنى.
الحياد، في أوقات كهذه، يفقد بريقه إن لم يكن واعياً بحدوده، فليس من الحكمة أن تُساوي بين خطابين غير متكافئين، أو أن تمنح مساحة غير مشروطة لصوت يسعى إلى ترسيخ روايته أكثر مما يسعى إلى الحوار. ليس لأن الرأي الآخر مرفوض؛ بل لأن شروط ظهوره هي التي تحدد أثره، فالحياد لا يُقاس بتساوي المساحات، بل بوعي الاختلالات التي قد تجعل المساحة نفسها جزءاً من الرسالة.
الإعلام لا يُختبر في قدرته على استضافة الجميع، بل في وعيه بما تفعله الاستضافة داخل اللحظة، فالمعركة، في النهاية، ليست فقط على ما يُقال، بل على من يملك حق صياغته.
عند تلك الشعرة تحديداً، لا تُقاس المهنية بقدرتها على جمع الأصوات، بل بقدرتها على حماية المعنى من أن يُعاد تشكيله بهدوء، دون أن يلحظ أحد.
[email protected]