نفط الخليج تجاوز المضيق.. رغم الإغلاق

00:22 صباحا
قراءة 3 دقائق

د. ندى أحمد جابر*

على مدى سنوات، بنت دول الخليج رؤية اقتصادية بعيدة المدى، لم تكتفِ بحماية تدفق النفط، بل أعادت صياغة اللعبة من حيث تنويع المَسارات، توزيع المخزون عالمياً، وتحويل الأزمات الى فرص مالية. وهكذا لم يعد مضيق هرمز العامل الحاسم في مصير صادرات النفط الخليجية كما كان في الماضي. اليوم ورغم التوترات، يبدو الاقتصاد الخليجي في موقع الجاهزية والقدرة على الاستمرار. في الإمارات، تم تحويل التحدي إلى مَيّزة استراتيجية عن طريق ميناء الفجيرة وهو منفذ خارج المضيق وأصبح أحد أهم مراكز تخزين النفط عالمياً. خط حبشان-الفجيرة يضمن تدفق النفط مباشرة إلى بحر العرب. كما للإمارات استثمارات في التخزين الدولي، خاصة في آسيا.. ماذا يعني ذلك؟ الإمارات لا تضمن فقط استمرار التصدير، بل أصبحت مِنصة عالمية لإدارة وتخزين الطاقة، وهو دور يزداد أهمية مع كل أزمة.
الكويت تعتمد على تنويع الأصول والانتشار العالمي لضمان استمرار التدفق الاقتصادي. الكويت لا تعتمد على التخزين داخل حدودها، بل تمتلك حضوراً مهماً في التخزين والتكرير خارج أراضيها، وهذا جزء أساسي من استراتيجيتها لضمان الاستقرار في التصدير. الكويت تعتمد امتلاك ومشاركة في مصافٍ خارجية لضمان تخزين النفط قرب الأسواق العالمية. يتم ذلك في أوروبا حيث تمتلك استثمارات كبيرة عبر شركة البترول الكويتية الدولية. ولها حضور قوي في موانئ أوروبية حيث يتم تخزين النفط لتغذية السوق الأوروبي مباشرة. تمتاز الكويت بأنها لا تتجاوز المضيق فقط خلال الأزمات، بل تقلل الحاجة إليه مع مرور الوقت.
السعودية بدورها لها شبكة تصدير تتجاوز الجغرافيا. بالنسبة للسعودية، لم يكن الهدف مجرد التصدير، بل ضمان السيطرة على مساراته: خط شرق-غرب يصل إلى البحر الأحمر دون المرور بمضيق هرمز. وللسعودية أيضاً شبكة. تخزين دولية في أوروبا وآسيا.
في قطر، رغم أنها تأثرت من الهجوم الإيراني لكن لم تتعطل بشكل يهدد قدرتها على الاستمرار أو الوفاء بالتزاماتها العالمية في تصدير الغاز. قطر قادرة على الاستمرار بفضل بنية تحتية مُترابطة. لدى قطر أسطول ناقلات ما يعتبر مخزوناً مُتَنقلاً. هذه الناقلات تخزن الغاز أثناء النقل ويمكن إعادة توجيهها حسب الحاجة، ما يمنح قطر مرونة استثنائية في التصدير. جديرٌ بالذكر أن لدى قطر عقود طويلة الأجل ترتبط مع دول كبرى تضمن استمرار التدفق بعيداً عن المضيق.
في عُمَان، مَيّزة موقعها فهي خارج معادلة الأزمة الجغرافية نفسها. موانئ مثل الدقم تقع خارج المضيق مع وصول مباشر للمحيط الهندي. ولديها مشاريع تكرير وتخزين مُتَنامية. عُمَان تقدم نموذجاً فريداً هو التصدير من دون الحاجة للمرور بنقطة توتر.
البحرين دورها يتركز في التكرير والخدمات، ما يُضيف مرونة لمنظومة التخزين العالمي، الذي يعتبر اليوم الورقة الرابحة في الأزمة. إن أهم ما يميّز الاستراتيجية الخليجية اليوم هو (تخزين النفط) الذي تم في موانئ أوروبية مثل هولندا وآسيا واليابان وكوريا الجنوبية والصين. أهمية هذه المخازن أنها قريبة من الأسواق النهائية وقادرة على التوريد من دون انتظار الشحن من الخليج. بمعنى آخر هذه الرؤية الاقتصادية المهمة استعدت دول الخليج لإدارتها بحكمة بدأت بعد أزمة 1990. هذه الرؤية البعيدة المدى جعلت اقتصاد الخليج في مأمن من تداعيات إغلاق المضيق، إذ لم يعد النفط الخليجي «سجيناً» في الخليج، بل أصبح موزعاً عالمياً وجاهزاً للبيع فوراً. ومع ارتفاع أسعار النفط نجد أن الاقتصاد الخليجي أجاد الاستفادة بتحويل الأزمة إلى فرصة. الأسعار ترتفع عالمياً والطلب يبقى قائماً، هنا تكمن القوة حيث إن بيع النفط بأسعار أعلى يأتي تعويضاً عن أي تأخير في الكميات وتحقيق فوائد مالية إضافية، ومع ارتباط معظم العملات الخليجية بالدولار يتعزز الاستقرار المالي.
وهكذا نجد أن إغلاق المضيق لم يغلق ازدهار الاقتصاد الخليجي الذي تَعلم كيف يتجاوز الأزمات. ما نشهده اليوم ليس اختباراً طارئاً، بل نتيجة تخطيط استراتيجي طويل. الخليج لم ينتظر الأزمة ليتحرك، بل استعد لها منذ سنوات باعتماد ممرات بديلة، وتخزين عالمي، واقتصاد مرن وقدرة على الاستفادة من الأسعار. 
فالصورة الاقتصادية الواضحة اليوم هي أن اقتصاد الخليج قادر على تخطي الأزمة العابرة بثقة، وتحويلها إلى فرصة، وتأكيد حضوره كركيزة أساسية في الطاقة العالمية.
.. الخليج أثبت أنه ليس محاصراً بالجغرافيا، بل هو أقوى منها.

[email protected]

* كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

عن الكاتب

كاتبة وباحثة في الدراسات الإعلامية

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"