في غالب الأحيان يشيع اتباع سلوك ما لمجرد أن الآباء أو الأجداد كانوا يفعلونه، دون البحث عن السبب الأصلي الذي قد يكون ذا معنى في وقته ومكانه، ولكنه لا ينطبق على زماننا، ولكن الاستمرار بفعل الفعل السابق نفسه للأجداد دون معرفة السبب هو محل النقاش هنا، فالعادة أو السلوك قد يكون حلاً لمشكلة انتهت، فليس من الحكمة حملها إلى حياة وزمان لا يعاني منها، وهذا ينطبق على كل السلوكيات التي ليس لها سبب واضح، وتتطلب الوعي بها.
وهذا الوعي الذي شعرت به فتاة كانت تشاهد والدتها تقص ذيل السمكة كلما همت بطبخها في المقلاة، فتوقفت وسألت والدتها: لماذا يا أمي تقصين ذيل السمكة؟ ردت الأم: لا أعلم يا ابنتي ولكنني رأيت أمي تفعل ذلك وتعلمت منها، فذهبتا للجدة وسألتاها السؤال نفسه فقالت: لا أعلم، أمي كانت تفعل ذلك، فذهبتا للجدة الكبيرة والتي من حسن الحظ أنها ما زالت على قيد الحياة، وسألتاها، فابتسمت العجوز وقالت: كنت أقص ذيل السمكة لأن المقلاة كانت صغيرة، ولا تسع السمكة كاملة. سلوك الجدة الكبيرة كان صحيحاً في وقته وظرفه، ولكنه غير مناسب لما بعده، وكان المطلوب فقط أن يعرف السبب لهذا التصرف.
البحث عن السبب الأصلي مطلوب في كل سلوك أو تصرف متوارث، في العادات الحياتية وليس العادات التي لها علاقة بالدين، فهذه ثوابت لا تتغير، لكن العادات الحياتية السلوكية هي التي تحتاج الى البحث عنها وسبب وجودها او اتباعها من عدمه، وعلى الأقل السؤال عن السبب الذي من أجله يفعل الإنسان ما يفعله.
وهذا ينطبق أيضاً على الأفكار والقناعات التي يحملها الوالدان ويتوارثها الأبناء دون بحث، فبعض القناعات التي يعيش عليها الوالدان أو الأجداد ويتعلمها الأبناء منهم دون فلترة أو تقصّ عن صحتها أو نتائجها، أو حتى أسبابها، ليست حكمة.
وهذه القصة الشعبية المشهورة عن الفتاة وأمها موجودة في جميع الثقافات وتُعّلم الفرد أن كل سلوك له سبب، ومعرفة السبب هو الطريق إلى الوعي والتصرف الصحيح.
[email protected]
لا يختلف اثنان على أن إنشاء أسرة مترابطة وسعيدة ويملؤها التفاهم والمودة والسكينة هو مطلب لأي شخص عاقل، لأن الأسرة والبيت الدافئ هما ملاذ وأمان لأي إنسان. وفي هذا البيت الآمن المستقر ينشأ الأبناء الذين هم مستقبل الأمة وسبب من أسباب نهضتها، ولكن قد تسير الأمور والظروف إلى غير ذلك وتستحيل الحياة المشتركة بين الزوجين إما بسبب أحدهما أو كلاهما أو بتدخل من عائلة الزوج أو الزوجة وبالتالي يحدث الطلاق الرسمي والذي يسبقه طلاق نفسي بينهما.
وهذا الطلاق هو نهاية عقد وليس نهاية إنسانية، قد يظن أحد الشريكين المنفصلين أن هذا الحدث بداية معركة وميدان للانتقام بطريقة أو بأخرى، ويختار الانسحاب وانقطاع التواصل مع الطرف الآخر، والذي يدفع ثمنه الأبناء، فمن مصلحة الأبناء أن يتواصل الوالدان، فهناك مستقبل هذا الطفل الذي سيكبر، ومطلوب منهما الاهتمام والسؤال عنه، سواء كان يعيش مع أمه أو أبيه، فكيف سيحضران حفلات التخرج والمشاركة فيما بعد في زواج الأبناء؟
تواصل هادئ لمتابعة مسيرة الأبناء هو الهدية الحقيقية التي يُقدمها الوالدان لأبنائهما بعد أن عجزا عن تقديم هدية البقاء معاً.
والأبناء لا يحتاجون إلى أن يروا والديهم المنفصلين صديقين، لكنهم يحتاجون أن يروا فيهما إنسانين ناضجين قادرين على وضع جراحهما جانباً حين يتعلق الأمر بمستقبل من أحبّاهما معاً.
الطلاق ليس نهاية القصة، بل هو اختبار حقيقي لمعدن الإنسان وسمو أخلاقه، فمن السهل أن تُحب حين تكون الحياة جميلة، والأصعب أن تُحسن حين يكون الفراق قد أوجع.
وفي ديننا الإسلامي، الطلاق، وإن كان مباحاً، فهو أبغض الحلال إلى الله، وهذا وحده يكشف أن الشريعة لم تجعله باباً للتشفي أو ميدان انتقام، بل جعلته مخرجاً رحيماً حين تستحيل الحياة المشتركة، وقد قال الله تعالى في كتابه الكريم:
«وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ»،
فهذا أمر من الله بحسن معاملة النساء عند الطلاق، إما بإرجاعهن للزوجية برضا (إمساك بمعروف) أو إنهاء العلاقة دون إضرار (تسريح بمعروف).
المعتاد أحياناً من باب التأدب والاحترام والتقدير لمن هم أكبر سناً، في المعاملات بين الناس، أن ينادي الموظف أو البائع للشخص المقابل بكلمة «خالتي» للمرأة التي تكبره سناً، وبكلمة «عمي» للرجل إذا كان يكبره سناً، ويتصور بأنه بهذا اللقب قد كان مؤدباً في التعامل، وينسى أن من أمامه لا يحتاج لتذكيره بأنه قد تقدم قليلاً بالعمر، أو بأن المقابل له أكثر شباباً.
والغريب أن هناك من يكون في الثلاثين والشخص الآخر في الأربعين أو الخمسين ويطلق عليه هذا اللقب، وهناك من الكلمات الراقية التي تشعر الشخص بالاحترام والتقدير أكثر من كلمة «خالتي» أو «عمي»، فبالإمكان إطلاق كلمات أكثر رقياً وهي: أستاذة، أستاذ، أختي، أخي، لأن الجميع إخوة ولا فارق بالعمر بين من كان بالعشرين ومن كان بالثمانين، ولا يحتاج منك العميل أو الزبون أن تذكّره بأن هناك فارقاً بالسن، فهو يعرف ذلك مسبقاً، وأيضاً هناك من يشعر بأنه شاب قلباً وقالباً، ولا يطلب منك تذكيره بغير ذلك، بعضهم يهتم بصحته الجسدية والنفسية ويمارس حياته وكأنه في العشرين أو الثلاثين، فبكلمتك هذه أنت قد تسيء إليه من غير قصد.
نرجو من الموظفين أو البائعين إذا أرادوا احترام من أمامهم من المتعاملين أو الزبائن، إذا كانوا يعتقدون بأنهم يكبرونهم بالسن، أن يُظهروا هذا الاحترام بإتقان تقديم الخدمة على أكمل وجه، وبالابتسامة الصادقة، وبالاهتمام الحقيقي باحتياج من أمامهم، فذلك أبلغ في الاحترام وأعمق في الأثر من أي لقب يُقال، ولا يقاس الاحترام الحقيقي بالكلمات وحدها، بل بالطريقة التي تُعامل بها.
وما يغيب عن كثير من الناس أن الألقاب التي تُطلق قد تحمل في طياتها ما لم يُقصد، ولكنها تبقى في ذهن المتلقي طويلاً، ليس لأنه حسّاس، بل لأن الإنسان بطبعه يلتقط ما يُقال عنه ويختزنه، ويؤثّر فيه.
الناس في مقام التعامل سواء، وما لا يرضونه على أنفسهم لا يرضونه على الآخرين، فتخيل أن هذا الموظف «الأكثر شباباً» يصادف من هو أصغر منه سناً ويقول له هذا الصغير: «عمي»، كيف سيكون باقي يوم هذا الموظف يا ترى؟
[email protected]
التعلم المستمر ليس نشاطاً جانبياً، بل هو شغف عند البعض وأسلوب حياة كامل، فهناك من يجد متعته في أن يطوّر من مهاراته يومياً، لأن المهارة التي يتقنها اليوم قد تتقادم غداً، وهذا في ظل النتيجة الطبيعية لسرعة التغيير في عالمنا المعاصر الذي يتجدد كل يوم وكل لحظة. لذلك، يصبح التعلم والقراءة والاطلاع والبحث عن كل ما هو جديد في مجال التخصص أو في مجالات أخرى في الحياة خطوة ضرورية لمن يريد أن يبقى مواكباً للعصر ومؤثراً.
ومن يتعلم يومياً شيئاً جديداً كل يوم يرى العالم بعيون مختلفة، فيكتشف في يومه العادي ما لا يراه غيره، ويحمل معه فضولاً يجعل حتى أبسط التفاصيل تستحق التأمل والاهتمام، فالعقل البشري لا يرتاح حين يتوقف، بل يتجمد، تماماً مثله مثل العضلة في الجسم والتي تضمر تدريجياً إن لم تُستخدم، وتشير بعض الدراسات إلى أن العقل الذي يظل نشطاً يحتفظ بحيويته ومرونته لفترة أطول، مما ينعكس إيجاباً على جودة حياة الإنسان وقدرته على اتخاذ القرارات، والتفكير المرن.
والأجمل من ذلك أن التعلّم يُحسّن الحياة من الداخل، فالشخص الذي يتعلم باستمرار يرى الحياة والناس بوعي أكبر، كما يصبح قادراً على إيجاد حلول مبتكرة لتحدياته في الحياة، لأن عقله اعتاد البحث والتحليل وعدم الاستسلام، ومع الوقت، يبدأ برؤية الفرص بدلاً من العقبات، ويجد معنى لحياته بدلاً من الفراغ أو الاكتفاء بما يعرفه مسبقاً.
والتعلم المستمر ليس حكراً على سن أو مرحلة معينة في العمر، بل هو أسلوب حياة يمكن لأي إنسان أن يتبناه، فكل يوم يحمل فرصة جديدة للتطور، وكل معرفة أو معلومة جديدة تضيف نوعاً من القوة والثقة.
ومن يجعل التعلم عادة يومية سيجد نفسه ينمو بثبات ويقترب أكثر من أهدافه والوصول الى أفضل نسخة يمكن أن يكون عليها.
كثيراً ما يُنظر إلى فنّ الإتيكيت باعتباره مجموعة من القواعد السلوكية الحديثة المكتسبة من الحضارة الغربية وهي قواعد من الآداب التي تهدف إلى تنظيم التعامل بين الناس، ولكن المتأمل فيها يجد أن هذه القواعد ليست عالمية بطبيعتها، بل هي وليدة ثقافات وبيئات وقيم مختلفة، وما يُعد ذوقاً رفيعاً في مجتمع قد يكون إساءة في مجتمع آخر، والعكس صحيح.
ومع ذلك تتقاطع كثير من مبادئ الإتيكيت في جوهرها مع ما أرساه الإسلام من أسس الاحترام وحُسن الخلق والتعامل مع الآخرين وتكريم الإنسان.
ولعل أبرز هذه التقاطعات ما يتعلق بآداب المائدة، ففي بعض الثقافات الغربية يُعدّ ترك جزء من الطعام في الطبق دليلاً على الاكتفاء وحسن التصرف، في حين يحثّ الإسلام على تعظيم النعمة وعدم إهدارها، كما جاء في السنة النبوية، بلعق الأصابع وتنظيف الإناء وأن البركة قد تكون فيما بقي من الطعام، ففي الإتيكيت الغربي ذوق اجتماعي، وفي الإسلام هو حفاظ على النعمة.
وهناك كثير من التقاطعات في فن الإتيكيت ما بين الثقافة الغربية وبين ثقافتنا الإسلامية، وكلها تصب في هدف واحد هو حسن التعامل مع الآخرين ، وأن ترى من أمامك إنساناً يستحق أن تُراعى مشاعره، والفارق أن الإتيكيت الغربي يصل إلى هذا من باب الاتفاق الاجتماعي، والإسلام يصل إليه من باب التكليف الرباني، وكلاهما يُفضي في نهاية المطاف إلى علاقات أصدق.
وعلى صعيد التحية، ففي الإتيكيت الغربي المصافحة الحازمة تعني الثقة، والتواصل البصري يعني الاحترام والابتسامة تعني الترحيب، أما في الإسلام فالسلام ليس مجرد تحية بل هو دعاء، فأنت تُهدي الأمان بقولك: السلام عليكم، وهذا عمق لا تبلغه كثير من البروتوكولات مهما صُقلت، وكذلك في الإتيكيت الحديث يعتبر طرق الباب قبل الدخول من الآداب ، والإسلام سبق إلى هذا وأبعد، فجعل الاستئذان ثلاثاً، وأمر بالانصراف إن لم يؤذن للطارق.
ورغم هذه الفروق، يبقى جوهر الإتيكيت الحقيقي واحداً، وهو الاحترام واللطف ومراعاة مشاعر الآخرين وهذه القيم هي نفسها التي يدعو إليها الإسلام، مما يجعل تعاليمنا الدينية إطاراً راقياً يمكن أن يحتضن أي سلوك اجتماعي مهذب.
[email protected]
يظل الإنسان دائماً يسعى لتحقيق أمنياته وأهدافه في الحياة، وفي خلال رحلته في هذه الحياة هناك الكثير من العقبات والمتغيرات، فقد تتغير الظروف الخارجية أو المشاعر الداخلية للإنسان فتصبح بعض الأهداف التي كان يخطط لها منذ سنوات ويسعى لها مختلفة وغير مهمة في الوقت الحالي، ويشعر بتأرجح في مشاعره ما بين السعي لها أو التوقف عنها مؤقتاً أو نهائياً.
وهذا الشعور الذي هو بين بين حقاً متعب، لأن الإنسان لا يستطيع معه الحكم في ظل الظروف الخارجية الضبابية التي لا يعلم إلى أين ستمضي، فيتقدم خطوة ويرجع خطوتين، وبهذا التذبذب يفقد الإنسان الطموح السابق.
وهذا ليس بغريب على أي أحد، لأن الظروف اليوم مختلفة عن السابق، والأحداث والتغيرات متسارعة، فلا يكاد الإنسان يرسو على بر إلا وتأتي ظروف وأحداث تجعله يعيد النظر في كل ما سبق، ويبدأ من جديد، أو يكمل ما بدأ به.
وفي خضم هذا الضياع والتأرجح، يجد الإنسان نفسه أحوج ما يكون إلى ملجأ يلوذ به، وسكينة تهدئ روحه المضطربة وعقله المشتت، وما من ملجأ أعظم من اللجوء إلى الله، فحين تضيق الدروب وتتشابك الأمور يكون الدعاء هو الحبل المتين الذي يشد الإنسان إلى الأمل والحياة، والتوكل على الله هو الجسر الذي يعبر به الفرد من حيرته إلى طمأنينته.
الإنسان المتأرجح لا يحتاج في تلك اللحظات إلى إجابات جاهزة أو طريق واضح بقدر ما يحتاج إلى السكينة وقلب مطمئن، ولن يحدث ذلك إلا بذكر الله، فكل تلك اللحظات الضبابية والظروف المتغيرة ليست عقبات، بل دعوة ربانية للإنسان كي يتوقف ويتأمل في حياته ويعود إلى ربه.
[email protected]