الريـاضـة بين التسامح والكراهية

00:14 صباحا
قراءة 3 دقائق


د.إدريس لكريني


تقترن الرياضة عادة بالأخلاق والحوار والتواصل بين الشعوب، فقد شكلت المناسبات الرياضية فرصة لإبراvز التنوع الحضاري والثقافي العالميين، والتحسيس بقضايا إنسانية وحقوقية وبيئية عبر العالم.
كما لعبت أدوراً طلائعية على مستوى التقريب بين الأمم وتوفير المناخ الديبلوماسي السليم للحد من الأزمات والصراعات، فقد برزت خلال السنوات الأخيرة مجموعات منظمة ضمن ما يعرف «بالألتراس» تعطي لهذه التظاهرات زخماً وتأثيراً كبيرين.
وفي الوقت الذي أضحت فيه الملاعب خصوصاً تلك الخاصة بكرة القدم تحظى بمتابعات ومشاهدات واسعة عبر العالم في أوساط عدد من الفئات الاجتماعية، بفعل النقل المباشر للمقابلات الذي تقوده مجموعة من القنوات الفضائية الدولية المتخصصة، أضحت الرياضة مقوماً مهماً ضمن مقومات القوة الناعمة التي تسهم في تعزيز السلام العالمي وتذليل الخلافات السياسية، وتعزيز التقارب بين الشعوب، ودعم مشاريع التنمية.
وفي هذا السياق، أصبحت الكثير من الملاعب تعج بالشعارات واللافتات التي لا تخلو من حمولات إنسانية وسياسية وثقافية؛ كثيراً ما أسهمت في تحويل هذه اللحظات الرياضية إلى قنوات للترافع بشأن عدد من القضايا الإنسانية والاجتماعية والبيئية والسياسية التي لا تحظى باهتمام الإعلام التقليدي..ومع ذلك، لم تخل هذه الفعاليات في كثير من الأحيان من انحرافات ومظاهر من العنف والشغب، جعلها تتحول إلى ما يشبه منصات لتصريف سلوكات مشينة وإلى لحظات لتصريف مواقف عنصرية ومتطرفة، بفعل الشحن الإعلامي الذي تقع فيه مجموعة من وسائل الإعلام التي تتبنى مصطلحات وتعابير عسكرية كالهجوم والمعسكر التدريبي، والانتقام، والإصابة، والخطط الاستراتيجية، والمواجهة المصيرية..، ما يوحي للمتلقي وكأن الأمر يتعلق بمواجهة عسكرية.
ففي كثير من اللقاءات الرياضية، تتعالى بعض الهتافات التي تشكل إهانة للاعبين من جنسيات وأقليات معينة، وهو ما يؤثر بشكل سلبي على نفسية اللاعبين، وعـــلى مـــردودهــــم داخــــــــل الميادين، كما لا تخفى التأثيرات النفسية والاجتماعية التي تتمخض عن هذه السلوكات، بالنسبة للجماهير.
إن تصاعد هذه الخطابات ونسفها لملتقيات رياضية وتحويلها إلى فضاءات لتكريس العداء والأحقاد والكراهية، يجد أساسه في التجييش الإعلامي خاصة من خــــلال شـــبكات التواصل الاجتماعي الذي يرافق هذه التظاهرات، وضمن عدد من البرامج الإعلامية.
كمــــا أن انتــــشار هذه السلــــوكات في عدد مــن الميادين الرياضية، هو تعبير عن تصاعد العداء ضد الأجانب خاصة داخل أوروبا بفعل الخطابات التي تعتمدها الكثير من الأحزاب والتيارات اليمينية المتطرفة إزاء الأجانب والهجرة بشكل عام، وهو ما يمثل خطراً على القيم النبيلة التي ترسخها الرياضة بشكل عام.
هناك توجهات جدّية وطنياً وإقليمياً ودولياً للحد من هذه الممارسات، التي أصبحت تواجه بعقوبات جنائية، وأحياناً بوقف المقابلات الرياضية، بعدما كان الأمر يقتصر في السابق على الغرامات المالية فقط. ونشير في هذا الصدد إلى أن الاتحاد الأوروبي لكرة القدم؛ اتخذ تدابير زجرية في مواجهة هذه السلوكات داخل الملاعب، حيث فرض غرامات مالية ضد عدد من الاتحادات الوطنية بسبب ممارسات عنصرية لبعض الجماهير داخل الملاعب، إضافة إلى إيقاف بعض اللاعبين بسبب تورطهم في هذه السلوكات.
إن مواجهة هذه المظاهر المسيئة، يسائل مختلف قنوات التنشئة الاجتماعية من إعلام ومؤسسات تعليمية ومجتمع مدني وأحزاب سياسية، كما يفرض سن تشريعات صارمة لأجل مناهضة هذه الممارسات المقيتة، علاوة على تفعيل الاتفاقيات الدولية ذات الصلة (الاتفاقية الدولية لمناهضة التمييز العنصري التي اعتمدت في عام 1965 ودخلت حيز التنفيذ عام 1969).
كما يمكن للأندية الرياضية بدورها أن تتخذ تدابير صارمة في مواجهة المتورطين في مثل هذه السلوكات، من خلال فرض غرامات على المعنيين بها من لاعبين وفرق، وتنظيم مباريات من دون جمهور، علاوة على إطلاق برامج للتوعية في هذا الشأن. وهو ما سيسمح حتماً بجعل الرياضة وسيلة أساسية لبناء شخصية متوازنة للشباب؛ كفيلة بمواجهة التطرف والعنف والكراهية، وترسيخ قيم الحوار والتسامح والتواصل والاحترام المتبادل بين الشعوب.

[email protected]

عن الكاتب

​باحث أكاديمي من المغرب

المزيد من الآراء

لاستلام اشعارات وعروض من صحيفة "الخليج"