لكل مهنة في الحياة أخلاقيات ومنهجيات وقيم، كما هي حياتنا العادية ترتكز على منظومة من القيم والأخلاقيات التي إن تجاوزها غيرنا استنكرنا عليه فعلته، وطالبناه بتعديل سلوكه، والانضباط قدر الإمكان لأن الحياة بلا أخلاق تفقد توازنها، وعلاقات الناس من دون قيم معرضة للفشل والتشويه، فما بالنا ونحن نتحدث عن أعمال تلفزيونية يُفترض فيها أن تقدم النماذج الجيدة للناس، بعيداً عن الإسفاف والابتذال المرفوضين في كل الأحوال . الملاحظ في السنتين الماضية والحالية، أن بعض الأعمال التي تعرض خرجت عن هذا الإطار الأخلاقي الذي أشرتُ إليه، فقد صار تقديم الوجبات الدرامية من دون رقابة، ولا أدري حقيقة ما الهدف من الموافقة على بث بعض الأعمال الفقيرة التي تفتقد الفكرة والموضوع الجيد، وكثيراً ما تطرأ علي أسئلة موجعة وأنا أتابع بعض ما يبث خلال الشهر الفضيل من أعمال، وهي أليس في حياتنا كخليجيين ما يُبهج؟ أليس في الخليج كله قصة اجتماعية قابلة للتصديق؟ أليس لدينا مشروع أسرة ناجحة يمكن أن تكون موضوعاً لعمل درامي؟
بالتأكيد لدينا مخزون ثقافي كبير من القصص والحكايات والروايات والأحداث التاريخية التي تستحق نبش الغبار عنها وتناولها درامياً، لنحكي للعالم أن لدينا فعلاً ما يُبهج، فليست كل حكاياتنا عن رجال الأعمال وعالم بعضهم المسموم بالمال والتجاوزات الأخلاقية والمشكلات الأسرية التي لا تنتهي، وإن انتهت حلقات المسلسل الواحد ليتم استكمالها في حلقات أخرى لا داعيَ لها مطلقاً . إن ما يُقدّم من أعمال في أغلبيته وبإجماع الكثيرين، لايرقى إلى مستوى قضايا الناس الحقيقية بقدر ما يشوهها، ولايعرض مشكلات واقعية واضحة بحلولها، وإن وضع الحلول كانت خارجة عن المنطق الذي يمكن تصديقه . أعمال كهذه لماذا تُقبل؟ ويُدفع من أجل شراء حقوق بثها المبالغ المالية الطائلة، أضف إلى ذلك الإسفاف الذي يقدم في بعض الأعمال الكوميدية الذي لايرقى إلى الفن الكوميدي إلا في بعض تفاصيله، فالكوميديا ليست سخرية مطلقة، وإنما هي فن عظيم يستحق أن يوضع في قالبه الأخلاقي السليم، وهذا ما لانراه واقعاً . إن الواضح أمام هذا الكم الهائل من الإنتاج مسلسلات، برامج حوارية، برامج مسابقات، كوميديا فارغة، ما جاءت إلاّ حشواً لسد فراغ الساعات الرمضانية التلفزيونية، وكان الأجدى بالمنتجين والممولين أن يضعوا معايير أخلاقية لكل ما يقفون وراءه، فهذه أمانة عظيمة، لأن الرسائل التي تحملها تلك الأعمال تخاطب أجيالاً عدة في أغلبها شبابية، وفي حاجة إلى تقديم منظومة أخلاقية مكثفة تلفزيونياً وليس العكس من ذلك . أود أن أسجل إعجابي وتقديري لعمل خليجي رائع قدمته مؤسسة دبي للإعلام هذا العام وهو لولو مرجان الذي أظن أنه حصد نسبة مشاهدة عالية، إذ إنه عمل رائع بكل المقاييس التي يمكن أن توضع لعمل درامي كوميدي استطاع كل من كان وراءه تغيير النظرة إلى الدراما الخليجية . . عيدكم مبارك أيها الكرام، وعساكم من العايدين بإذن الله .